Wed 29 Apr 2026 11:35 pm - Jerusalem Time

خطاب "الرموز والأصفار" لقيس سعيد يثير عاصفة من الجدل في تونس

شهدت الساحة السياسية التونسية حالة من الجدل الواسع عقب خطاب جديد ألقاه الرئيس قيس سعيد، تضمن جملة من الرموز والإشارات التي وصفها مراقبون بالمبهمة. وخلال ترؤسه اجتماعاً حكومياً رفيع المستوى، وجه سعيد انتقادات حادة لمنظومة التعيينات في مفاصل الدولة، معتبراً أنها خضعت لسنوات لمنطق الولاءات الحزبية على حساب الكفاءة الوطنية.

واستخدم الرئيس التونسي استعارات لغوية غير مألوفة في الخطاب السياسي الرسمي، حيث أشار إلى أن السيادة الوطنية وشعارات الثورة هي "القمر ليلة التمام". وأكد في حديثه أن الدولة لا تعنيها "السبابة التي تشير إلى القمر"، في إشارة رمزية إلى أطراف لم يسمها تحاول توجيه الرأي العام أو التشويش على المسار السياسي الحالي.

وتطرق سعيد في حديثه إلى تلامس أصبعي السبابة والإبهام، معتبراً أن هذه الحركة ترمز إلى الرقم "صفر" أو مجموعة من الأصفار التي تهدف للإيهام بالعناق أو الفراق. وشدد على أن الشعب التونسي يمتلك الوعي الكافي لتفكيك ما وصفها بـ"الدوائر المفرغة" وفضح المتاجرين بالأوهام في الغرف المظلمة، حسب تعبيره.

الاجتماع الذي عقد في قصر قرطاج، ضم رئيسة الحكومة سارة الزعفراني ووزراء المالية والشؤون الاجتماعية والتشغيل، وتركز في جانبه الإجرائي على تطبيق أحكام قانون المالية. وتناول الحاضرون ملف الترفيع في الأجور والمرتبات في القطاعين العام والخاص، المبرمجة للأعوام 2026 و2027 و2028، ضمن السياسة الاجتماعية للدولة.

وفي خطوة مفاجئة تزامنت مع هذا الخطاب، قرر الرئيس قيس سعيد إعفاء وزيرة الصناعة والمناجم والطاقة من مهامها بشكل فوري. وتم تكليف وزير التجهيز والإسكان، صلاح الزواري، بتسيير شؤون وزارة الصناعة بصفة مؤقتة، دون الكشف عن الأسباب المباشرة لهذا الإعفاء الذي يأتي في توقيت حساس.

وأكد الرئيس خلال اللقاء أن الدولة التونسية ماضية في مكافحة ما وصفها بـ"جيوب الردة والعمالة والفساد"، مشدداً على ضرورة استكمال المنصات الخاصة بانتداب العاطلين عن العمل. وأوضح أن المعايير القادمة للتوظيف ستعتمد بشكل كلي على العدل والإنصاف لإنهاء حقبة الانتدابات القائمة على المحسوبية التي أضرت بالإدارة.

ردود الفعل المعارضة لم تتأخر، حيث اعتبر وزير الخارجية السابق رفيق عبد السلام أن الخطاب يبتعد عن لغة السياسة الواقعية ويغرق في عالم "التنجيم والألغاز". وأشار عبد السلام في تعليق له إلى أن استخدام الطلاسم في الخطابات الرسمية يعكس حالة من الانفصال عن القضايا الجوهرية التي تشغل المواطن التونسي.

من جانبه، سخر النائب السابق أنور بن الشاهد من الصياغة اللغوية للبيان الرئاسي، واصفاً إياها بأنها تعتمد على السجع والإيحاء بالحكمة دون تقديم مضامين سياسية واضحة. وتساءل بن الشاهد عن مدى قدرة مثل هذه الخطابات على إنارة الرأي العام أو توضيح المواقف الرسمية تجاه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة.

وفي سياق متصل، انتقد النائب السابق مجدي الكرباعي مضمون البيان، معتبراً أن اللغة المستخدمة تعطي انطباعاً سلبياً عن حالة الاستقرار السياسي في البلاد. وأشار الكرباعي إلى أن مثل هذه التصريحات قد تدفع الشباب التونسي لمزيد من اليأس والبحث عن سبل للهجرة، نتيجة غياب الرؤية الواضحة للمستقبل.

كما توقف مراقبون عند اتهامات الرئيس لجهات لم يسمها بالقيام بـ"وقفات وتدوينات مدفوعة الأجر" في الداخل والخارج، واصفاً مراميها بالسخيفة. ويرى محللون أن هذا الهجوم يستهدف الحراك المعارض الذي ينشط عبر منصات التواصل الاجتماعي وفي بعض العواصم الأوروبية ضد السياسات الحالية للرئاسة.

وتعكس هذه الحالة من السجال انقساماً حاداً في الشارع التونسي بين مؤيدين يرون في لغة الرئيس تعبيراً عن الأصالة والتمسك بالسيادة، ومعارضين يرونها هروباً من مواجهة الاستحقاقات الاقتصادية. وتظل لغة "الغرف المظلمة" و"المؤامرات" سمة بارزة في خطابات سعيد التي تثير نقاشاً مستمراً عقب كل ظهور رسمي.

البيان الرئاسي الذي نُشر في وقت متأخر، شدد على أن الإدارة التونسية تعيش وضعاً غير طبيعي نتيجة تراكمات العقود الماضية. وأشار سعيد إلى أن البعض اعتقد أن الدولة "غنيمة" والسلطة مجرد امتيازات، مؤكداً أن العمل جارٍ لتصحيح هذا المسار عبر إجراءات قانونية وإدارية صارمة ستشمل كافة القطاعات.

وعلى المستوى الشعبي، تباينت التعليقات على منصات التواصل الاجتماعي بين من حاول تفسير رموز "السبابة والإبهام" وبين من طالب ببرامج اقتصادية ملموسة. ويشير متابعون للشأن التونسي إلى أن التركيز على اللغة الرمزية قد يصرف الانتباه عن قرارات إدارية هامة، مثل إعفاء وزيرة الصناعة وتعديل سلم الأجور.

ختاماً، يبقى التوتر سيد الموقف في العلاقة بين الرئاسة والمعارضة، حيث يُتوقع أن تزيد هذه التصريحات من حدة الاستقطاب السياسي. ومع استمرار الرئيس في نهجه الخطابي الفريد، تترقب الأوساط التونسية مدى تأثير هذه التوجهات على الاستقرار العام والتعاون مع المؤسسات الدولية في ظل الأزمة المالية الخانقة.

Tags

Share your opinion

خطاب "الرموز والأصفار" لقيس سعيد يثير عاصفة من الجدل في تونس

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.