تمر فلسطين بفترة استثنائية في موضوع الاستحقاقات الانتخابية المتتالية، مما أسفر عن تفاعل مزدحم على منصات التواصل الاجتماعي في الترويج للقوائم والأشخاص باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وغيرها، وهو أمر صحي يدلل على اهتمام شعبنا، وتحديداً شبابنا، بهذه التقنيات وتوجيهها بالطريقة الأمثل نحو تحقيق أفضل الممارسات لهذه التطبيقات والأدوات في خدمة المجتمع الفلسطيني، وتعزيز المشاركة الديمقراطية، ورفع مستوى الوعي السياسي والاجتماعي.
لكن، وللأسف، ظهرت أيضاً مشاهدات استخدمت فيها تقنيات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي بصورة سلبية، قائمة على تزييف المشاهد، واختلاق قصص بعيدة عن الواقع، بهدف الضرب بسمعة قائمة انتخابية أو أشخاص فيها، أو خلق حالة من البلبلة والتشويش بين الناس، خاصة في الفترات الانتخابية الحساسة التي يكون فيها الرأي العام سريع التأثر وسريع التفاعل وهو ما يميز مجتمعاتنا وتحديداً الريفية منها، حينها تتحول التكنولوجيا من أداة بناء إلى وسيلة هدم، ومن منصة للوعي إلى ساحة مفتوحة للتضليل والتشويه.
الذكاء الاصطناعي نفسه، الذي قد يُساء استخدامه في صناعة المحتوى المزيف، يمكن أن يكون إحدى أهم الأدوات في كشف هذا التزييف والحد من انتشاره، فهناك تطبيقات متقدمة قادرة على تحليل الصور والفيديوهات واكتشاف التعديلات غير الطبيعية فيها، مثل تقنيات كشف الـ Deepfake التي تستطيع رصد التلاعب في تعابير الوجه، أو عدم التناسق في حركة الشفاه، أو اختلاف الظلال والإضاءة، وهي تفاصيل قد لا يلاحظها الإنسان العادي.
من بين هذه الأدوات تطبيقات مثل Hive Moderation وReality Defender وDeepware Scanner، وهي منصات متخصصة في فحص الفيديوهات والصور وكشف المحتوى المفبرك، كما تعتمد بعض المؤسسات الإعلامية على أدوات مثل InVID للتحقق من صحة الفيديوهات المنتشرة على منصات التواصل، عبر تحليل الإطارات الأصلية ومصدر النشر الأول، بينما تساعد أدوات مثل Google Fact Check Explorer وTinEye في تتبع الصور ومعرفة إن كانت قديمة أو مأخوذة من سياق مختلف تماماً.
كما توجد أدوات تعتمد على تحليل النصوص، تستطيع مقارنة الأخبار المتداولة بالمصادر الأصلية والموثوقة، واكتشاف الأخبار المفبركة أو العناوين المضللة التي يتم تصميمها لجذب الانتباه وإثارة الرأي العام، فمثلاً، قد يتم تداول تصريح مزيف على لسان شخصية عامة أو مرشح انتخابي، وهنا يمكن للأنظمة الذكية أن تقارن بين الأسلوب اللغوي المعتاد للشخص وبين النص المنشور، وتحدد احتمالية التلاعب أو الانتحال.
وقد شهد العالم عدة تجارب بارزة في هذا المجال، ففي الانتخابات الأمريكية الأخيرة، استخدمت مؤسسات إعلامية كبرى وشركات تقنية أدوات ذكاء اصطناعي متقدمة لرصد المقاطع المفبركة والتصريحات المزيفة التي انتشرت حول المرشحين، خاصة عبر منصات مثل فيسبوك وإكس وتيك توك. كما أن الاتحاد الأوروبي عمل على تطوير أنظمة رقابة رقمية لمتابعة المحتوى السياسي المضلل خلال الانتخابات البرلمانية، مع تعاون مباشر بين شركات التكنولوجيا وفرق التحقق الصحفي.
وفي الهند، أيضا، واجهت الانتخابات العامة تحدياً كبيراً بسبب انتشار المقاطع المزيفة، ما دفع السلطات والمؤسسات الإعلامية إلى استخدام تقنيات تحقق مدعومة بالذكاء الاصطناعي لرصد المحتوى المفبرك بسرعة قبل وصوله إلى ملايين المستخدمين. كما ظهرت مبادرات مستقلة من مؤسسات صحفية ومنظمات مجتمع مدني لمراقبة الحملات الرقمية المشبوهة.
وفي السياق الفلسطيني، يمكن لهذه الأدوات أن تساعد المؤسسات الإعلامية، والجامعات، والهيئات الرقابية، وحتى المواطنين أنفسهم، في التحقق من صحة المواد المتداولة قبل إعادة نشرها، كما يمكن للمنصات الرقمية المحلية أن تطور آليات إنذار مبكر ترصد الحملات المنظمة التي تستهدف التضليل السياسي أو الاجتماعي، خاصة في الفترات الحساسة المرتبطة بالانتخابات.
ولعل المثال الأوضح هو انتشار مقاطع فيديو مفبركة خلال الحملات الانتخابية، تُظهر أشخاصاً في مواقف لم تحدث أصلاً، أو تصريحات لم تصدر عنهم، أو صوراً قديمة يعاد تدويرها على أنها أحداث جديدة. هنا يصبح الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة تقنية، بل خط دفاع أول عن الحقيقة، وعن حق المواطن في الوصول إلى معلومة صحيحة غير مشوهة.
غير أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي، فمهما تطورت أدوات الكشف والتحليل، يبقى الإنسان هو الحلقة الأهم في مواجهة التضليل. إن الدوافع الاجتماعية والوطنية والدينية تشكل وازعاً أساسياً ومهماً في الحد من هذه الظاهرة؛ فالمسؤولية الأخلاقية، والانتماء الوطني، والخوف من ظلم الآخرين، كلها عناصر يجب أن تسبق ضغطة زر “المشاركة” أو “النشر”. فليس كل ما يُرى يُصدق، وليس كل ما يُتداول حقيقة.
إن حماية المجتمع الفلسطيني من المعلومات المزيفة ليست مهمة تقنية فقط، بل مسؤولية جماعية تبدأ من الضمير، وتعززها المعرفة، وتحميها التكنولوجيا حين تُستخدم في الاتجاه الصحيح. وبين الوعي والأخلاق والذكاء الاصطناعي، يمكننا أن نبني فضاءً رقمياً أكثر صدقاً وعدالة ومسؤولية، وأن نجعل من الحملات الانتخابية مساحة للتنافس الشريف لا ساحة للتضليل والتشويه.





Share your opinion
الحملات الانتخابية في زمن الذكاء الاصطناعي