Sun 19 Apr 2026 10:32 am - Jerusalem Time

وفقاً لمعطيات التكنولوجيا.. هل هناك حرب برية قادمة؟

هذا سؤال المليون الذي يحتل وجدان شعوب المنطقة والعالم برمته. هل نقف اليوم على أعتاب حرب برية قادمة تغطيها مجموعة من التحركات الدبلوماسية التضليلية؟ تحركات تعطي الانطباع بأن الأمور إنما هي ذاهبة نحو الإنفراج، بينما في الواقع هي تنتظر استكمال الحشود العسكرية اللازمة للبدء بالزحف البري. مشهد رأيناه قبيل ساعات من بدء الهجوم على طهران في شباط الماضي، عندها قيل بأن المحادثات بين الأطراف مجتمعين قد استكملت بشكل إيجابي، ليتفاجى العالم ببدء الهجوم الكبير على طهران واستهداف الخامنئي الأب.    
لذلك وبحثاً عن الإجابة، اخترنا أن نذهب في مسار مختلف عبر زاوية التكنولوجيا وقدرتها على تقييم الموقف وتوفير المؤشرات الواضحة حول ما جرى ويجري. فالحروب لا تُقاس فقط بصنوف الأسلحة العابرة للحوم البشر، ولا بكثافة النيران، بل أصبحت تُقاس بقدرة التكنولوجيا على حسم المعركة قبل أن تبدأ فعليًا.
فالمشهد القائم حالياً إنما يؤكد على أن أي حرب برية لم تعد قرارًا عسكريًا محضاً، بل معادلة معقدة من الدعاية والمناورة والتضليل والترهيب والحسابات والقراءات. فالتطور الهائل لوسائط الإعلام على تعددها، وأدوات الذكاء الاصطناعي إنما توفر كماً مهماً من التطبيقات القادرة على تحقيق كل ما ورد، مشفوعة بترسانة من الطائرات المسيّرة، وأنظمة الاستهداف الذكية، والإمكانات السيبرانية، وجيش غير محدود من الذباب الإلكتروني، وماكنات إعلامية تقليدية لا حصر لها إضافة إلى رقابة صارمة على صفحات الإعلام الاجتماعي وهو ما يستطيع أن يؤسس لانخراط مباغت في مواجهة برية مباشرة.
لذا، فإن المؤشرات التقليدية التي يقرأها العسكريون كتمهيدٍ لحربٍ بريةٍ شيء، وما تشير إليه الصور الجوية وقراءة الذكاء الاصطناعي للمشهد بكامل تعقيداته شيء آخر. فتكثيف الضربات الجوية، واستهداف القوى الدفاعية والبنى التحتية ورصد تحركات الخصم وإعادة تموضعه وإعادة انتشار قواته وتعويض الفاقد التسليحي، إنما يساعد حتماً في تشخيص المشهد.
هذه الإشارات، في ظاهرها، إنما توحي اليوم وباحتمالية كبيرة بأن المرحلة التالية من الحرب والقائمة على الهجوم البري باتت جاهزة وهي على وشك الانطلاق عبر زحفٍ بريّ مدروسٍ يبدأ من جزيرة كرخ، وصولاً إلى مخازن اليورانيوم المخصب في مكان ما. لكن هذا لا يلغي احتمالية أن يكون هذا المشهد، وبالتفاصيل التي ذكرت، مجرد أدوات ضغط، أو وسائل تخويفية تستهدف تحقيق الردع المعنوي، واستكمال الحرب نفسية المرجوة والمحسوبة والممنهجة.
هنا نرى قدرة التكنولوجيا بكامل مقوماتها على لعب دورٍ مزدوجٍ في تحقيق أهداف الحرب إما بالتضليل أو بالتقتيل، وذلك عبر التمهّيد لخيار بري بضغط نفسي هائل، ثم الانقضاض على الخصم في حال لم يذعن. فنرى مزيداً من إعطاب منظومات الدفاع، وإضعاف القدرات الميدانية، مع الاستفادة من الدروس المستقاة من الجولة الأولى للحرب.
لكن فكرة الانقضاض البري المباشر لا تتساوى مع إمكانية كسر الخصم عبر الحرب النفسية الممنهجة فقط، خاصة في حال رأينا فيه قدرة طائرة مسيّرة منخفضة التكلفة أن تُصيب هدفًا استراتيجيًا بدقة عالية، وإمكانية تتفيذ هجوم سيبراني يُعطّل بنية تحتية كاملة، وهو ما يجعل من الهجوم البري أمراً محفوفاً بسيل من الأخطار والرهبة والتكاليف المادية والآدمية.
ولعل تضاريس إيران إنما تُعقّد هذه المعادلة لكونها ساحة تمتلك بيئة جغرافية وعسكرية صعبة قادرة على الاستنزاف بفعل الاتساع الجغرافي، والتضاريس الوعرة، وهو ما يجعل أي عملية برية طويلة ومكلفة، وربما غير مضمونة النتائج.
من هنا، يبدو أن التكنولوجيا تدفع باتجاه تأجيل الخيار البري الآني وتنصح باستكمال السيناريوهات الحربية المطروحة، وتحديد الممكن منها بعيداً عن الاستعجال والارتجال، وهو ما يستوجب تغطية الاستعدادات الميدانية بستار دخاني يبرز في ثناياه حملة دبلوماسية تضليلية تملأ الوقت بالكر والفر السياسي الذي يسبق الوصول إلى الدقيقة صفر التي ينطلق معها الزحف البري. فالحروب الحديثة تُحسم اليوم عبر البيانات والخوارزميات بصورة فاقت القوة النارية وحجم الترسانة العسكرية.
هذا الامر لا يعني بالضرورة بأن الحرب البرية قادمة غدا، لكنها لم تعد أيضاً الخيار الذي يمكن في ذات الوقت تجاهله خاصة بعد الاستعانة بصور الأقمار الصناعية التي تكشف حجم القوات المحتشدة.
لذلك فإن السؤال لم يعد: هل تندلع حرب برية في إيران؟ بل متى تتولد الحاجة الفعلية لهذه الحرب وفق المعطيات التقنية وقناعة الجنرالات والساسة والذكاء الاصطناعي بأن ساعة الهجوم قد اقتربت. المشهد جد خطير وممتلئ بكل شيء نفكر أو لا نفكر فيه بصورة تغرق البشرية معها بمعارك الكر والفر النفسية الصعبة. حمى الله أهلنا من كل مكروه وجنب البشرية ويلات المزيد من الحروب. للحديث بقية!

[email protected]

Tags

Share your opinion

وفقاً لمعطيات التكنولوجيا.. هل هناك حرب برية قادمة؟

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.