كشفت تقارير عبرية حديثة عن تفاصيل درامية عاشتها المجموعات الأخيرة من الإسرائيليين العالقين في العاصمة الإيرانية طهران، إبان أحداث الثورة الإسلامية عام 1979. وتناولت الروايات التي نقلتها مصادر صحفية تجربة داني سعدون، المدير السابق لمحطة شركة الطيران الإسرائيلية 'إل عال'، والذي شهد اللحظات الأخيرة لسقوط نظام الشاه.
أفادت مصادر بأن سعدون كان يقيم في طهران لثلاث سنوات سبقت اندلاع الثورة، حيث كانت العلاقات بين الجانبين في ذروتها الاقتصادية والدبلوماسية. وقد أشرف خلال تلك الفترة على توسع ملحوظ في حركة الملاحة الجوية، إذ كانت الرحلات تسير بمعدل مرتين يومياً لنقل الركاب والبضائع بين تل أبيب وطهران.
كانت الجالية الإسرائيلية في إيران تُقدر بنحو خمسة آلاف عائلة، تتركز غالبيتها في العاصمة، حيث توفرت لهم مؤسسات تعليمية خاصة تعمل وفق المناهج الإسرائيلية. ووصف سعدون تلك الفترة بأنها كانت تتسم بالاستقرار والترحيب الشعبي، قبل أن تنقلب الموازين مع تصاعد موجات الاحتجاج ضد حكم الشاه.
بدأت الأوضاع الأمنية في التدهور التدريجي خلال عام 1978، حيث انتقلت الاضطرابات من المدن البعيدة إلى قلب العاصمة طهران بشكل متسارع. هذا التصعيد دفع إدارة شركة الطيران إلى اتخاذ قرار عاجل بإجلاء عائلات الموظفين، ليتقلص عدد الإسرائيليين المتبقين إلى نحو ثلاثين شخصاً فقط مع نهاية العام.
ذكرت مصادر أن العمل في مطار طهران استمر تحت ضغط هائل، حيث تزايد الطلب على الرحلات المغادرة بشكل غير مسبوق من قبل الإسرائيليين والأجانب. واضطر الموظفون في تلك الفترة إلى بيع التذاكر من داخل منازلهم الخاصة، ونقل الأموال النقدية يدوياً بسبب انهيار المنظومة الأمنية والمصرفية.
مع مطلع عام 1979، وصلت الاحتجاجات إلى محيط البعثة الإسرائيلية، مما استدعى اتخاذ إجراءات احترازية مشددة شملت تجهيز ممرات هروب سرية داخل المكاتب. وبدأت ملامح انهيار النظام الملكي تتضح جلياً للجميع، خاصة بعد مغادرة الشاه للبلاد وبدء العد التنازلي لانتصار الثورة.
غادرت آخر رحلة رسمية لشركة 'إل عال' مطار طهران في العاشر من فبراير 1979، في وقت لم يدرك فيه الكثيرون أنها ستكون الرحلة الأخيرة للأبد. وقرر سعدون في ذلك الوقت البقاء وعدم الصعود للطائرة، لتتدهور الأوضاع بعدها بساعات مع فرض حظر التجول واندلاع اشتباكات مسلحة في محيط المطار.
لحظة إعلان قائد الطائرة مغادرة الأجواء الإيرانية كانت فاصلة، حيث عمت مشاعر الفرح والارتياح بين الركاب الذين شعروا بالنجاة من خطر محقق.
اضطرت المجموعة المتبقية من الإسرائيليين للاختباء داخل شقق سكنية سرية، وسط مشاهد من الفوضى العارمة والحرائق التي غطت شوارع العاصمة. وبحثت الجهات المعنية في تل أبيب عن خطط إنقاذ غير تقليدية، شملت التفكير في هبوط طائرة في شارع عام أو استخدام جوازات سفر مزورة للفرار.
تزايدت المخاوف بين المختبئين مع انتشار شائعات حول وجود قوات عسكرية إسرائيلية تقاتل إلى جانب الشاه، مما جعلهم أهدافاً محتملة للمتظاهرين. وتزامن ذلك مع وصول الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات إلى طهران لتسلم مبنى البعثة الإسرائيلية، وهو ما زاد من حساسية الموقف وخطورته على المجموعة.
بدأت عملية الإجلاء الفعلية بتجميع الأجانب في أحد الفنادق الكبرى بطهران، حيث احتشد الآلاف بانتظار فرصة للخروج من البلاد المضطربة. وأثناء التوجه للمطار، تعرض سعدون لاستجواب دقيق من قبل عناصر مسلحة بعد العثور على مفاتيح سيارته، حيث وُجهت له اتهامات بدعم النظام السابق.
أُجبر سعدون على التنازل عن ممتلكاته وسيارته لصالح 'لجان الثورة' كشرط أساسي للسماح له بالمرور والالتحاق بطائرة الإجلاء. وتمكن في نهاية المطاف من الوصول إلى الطائرة التي أقلت المجموعة في الثامن عشر من فبراير، وسط إجراءات تفتيش مشددة نفذها مسلحون صعدوا إلى متن الطائرة قبل إقلاعها.
وصفت الرواية لحظة مغادرة الأجواء الإيرانية بأنها كانت لحظة ولادة جديدة، حيث سادت حالة من الهستيريا والفرح بين الركاب الذين أفلتوا من قبضة الثورة. وشعر الجميع بأنهم نجوا من مصير مجهول كان ينتظرهم في حال اكتشاف هوياتهم الحقيقية من قبل المجموعات المسلحة المنتشرة.
في ختام شهادته، أعرب سعدون عن أمله في أن تشهد إيران تغييراً سياسياً جذرياً يعيدها إلى ما كانت عليه قبل عام 1979، مراهناً على دور الجيش في أي تحول مستقبلي. ورغم ذكرياته الطويلة في طهران، أكد عدم رغبته في العودة إليها مجدداً إلا في حال تغيرت الظروف السياسية بشكل كامل.
تظل هذه الشهادات وثيقة تاريخية تعكس حجم التحول الدراماتيكي في العلاقات الإيرانية الإسرائيلية، التي انتقلت من التحالف الاستراتيجي إلى العداء المطلق. وتكشف كواليس تلك الأيام كيف تداخلت العمليات الاستخباراتية مع الجهود الدبلوماسية لإنقاذ آخر العناصر المرتبطة بتل أبيب من قلب طهران.





Share your opinion
شهادات من قلب الثورة: كيف فرّ آخر الإسرائيليين من طهران عام 1979؟