يستعد الاتحاد العام التونسي للشغل لعقد مؤتمره العادي في مدينة المنستير الساحلية، وسط أجواء سياسية واقتصادية مشحونة تضع المنظمة النقابية العريقة أمام اختبار حقيقي. ويأتي هذا المؤتمر في وقت تزايدت فيه احتمالات الملاحقة القضائية لمخرجاته، خاصة في ظل توجه السلطة الحالية نحو تقليص أدوار الأجسام الوسيطة وتوصيف القضاء كـ 'وظيفة' تابعة للدولة.
تعكس السردية السياسية الحالية في تونس موقفاً حاداً تجاه المنظمات التي شاركت في المشهد العام خلال العقد الماضي، حيث يتم التعامل معها كجزء من 'العشرية السوداء'. ولا تفرق هذه الرؤية بين المعارضة الصريحة وبين القوى التي قدمت 'موالاة نقدية' لمسار 25 يوليو، مما وضع الاتحاد في مأزق تاريخي لم يعهده من قبل.
خلال سنوات الانتقال الديمقراطي، تحول اتحاد الشغل إلى ما يشبه 'السلطة الخامسة' في البلاد، متجاوزاً في نفوذه المؤسسات الدستورية والسلطة التنفيذية نفسها. هذا التغول مكنه من التحكم في تشكيل الحكومات وفرض توازنات سياسية معينة، مستفيداً من حصانة قضائية ودعم إعلامي واسع وفرته منظومات الحكم المتعاقبة.
يرى مراقبون أن قوة الاتحاد لم تكن نابعة من قدراته الذاتية فحسب، بل كانت مشتقة من حاجة 'منظومة الاستعمار الداخلي' لوكيل يضبط التوازنات الاجتماعية والسياسية. وقد لعبت المركزية النقابية دوراً محورياً في توجيه الصراعات نحو قضايا هوياتية، مما أبعد الأنظار عن الملفات التنموية والسيادية الجوهرية التي تهم المواطن التونسي.
بالعودة إلى أحداث ثورة 2011، يظهر تباين واضح بين القواعد العمالية التي انخرطت في الاحتجاجات وبين المركزية النقابية التي حاولت في البداية إنقاذ نظام بن علي. ولم تلتحق القيادة بالركب الثوري إلا تحت ضغط هائل من الهياكل الوسطى والدنيا، وهو ما يثير تساؤلات حول حقيقة الدور 'الوطني' الذي تدعيه القيادات المتعاقبة.
لقد ساهم الاتحاد بشكل فعال في هندسة المشهد السياسي بعد عام 2013، حيث قاد جهوداً لإسقاط حكومة الترويكا وفرض مسارات توافقية أدت إلى إضعاف حركة النهضة. واستخدمت القيادات النقابية، المتأثرة بخلفيات أيديولوجية يسارية وقومية، ثقل المنظمة لتصفية حسابات سياسية تحت غطاء المطالب الاجتماعية والنقابية.
عندما انطلق مسار 'تصحيح المسار' في يوليو 2021، توهمت قيادات الاتحاد أنها ستكون الشريك الأساسي في النظام الجديد، خاصة وأنها مهدت الطريق لضرب البرلمان والأحزاب. لكن السلطة الجديدة تبنت فلسفة 'البديل المطلق' التي لا تقبل القسمة أو الشراكة مع أي طرف، مما جعل الاتحاد يجد نفسه خارج دائرة الفعل والقرار.
السلطة الحالية لا تشتغل بمنطق الشريك بل بمنطق البديل الكلي والمطلق، وهو ما جعلها لا تكتفي بضرب الأجسام السياسية بل اعتبرت المنظمات عدواً وجودياً.
الخطأ التقديري الأكبر للاتحاد تمثل في عدم إدراكه أن صلاحية دوره كـ 'شريك اجتماعي' قد انتهت بالنسبة للسلطة الحالية، التي لا ترى حاجة للتفاوض حول الملفات الحقوقية أو الاقتصادية. هذا التحول الدراماتيكي كشف هشاشة المنظمة عندما تُرفع عنها الحماية السياسية التي كانت تتمتع بها في العهود السابقة.
تاريخياً، كان الاتحاد يعود دائماً إلى 'بيت الطاعة' بعد كل صدام مع السلطة مقابل مكاسب فئوية محدودة لا تمس جوهر النظام القائم. لكن المعادلة الحالية تبدو مختلفة، حيث تسعى السلطة إلى إنهاء نفوذ المنظمة بشكل كامل وتجريدها من أدوات الضغط التقليدية التي كانت تستخدمها لابتزاز الحكومات الضعيفة.
يعاني الاتحاد اليوم من تراجع ملحوظ في حاضنته الشعبية، حيث بدأ المواطنون يربطون بين الأزمات الاقتصادية وبين السياسات التي انتهجتها المنظمة خلال العقد الماضي. كما أن الموارد المالية للاتحاد، التي تعتمد بشكل كبير على الاقتطاعات من أجور العمال، أصبحت تحت مجهر التدقيق والتهديد بالتوقف.
مؤتمر المنستير يمثل محاولة أخيرة من القيادة الحالية لإعادة الاعتبار للمنظمة، ولو من خلال حصر دورها في الجانب المطلبي البحت بعيداً عن السياسة. ومع ذلك، فإن موازين القوى تميل بوضوح لصالح السلطة التي ترفض تقديم أي تنازلات قد تُفهم على أنها اعتراف بشرعية الأجسام الوسيطة.
إن الانقسامات الداخلية داخل الاتحاد نفسه تزيد من تعقيد الموقف، حيث تبرز أصوات تنتقد انحراف البوصلة النقابية نحو الصراعات الأيديولوجية. هذه الخلافات قد تؤدي إلى تفتت الكتلة النقابية الصلبة، مما يسهل على السلطة تنفيذ خططها الرامية إلى تحجيم دور المنظمة في المستقبل القريب.
في نهاية المطاف، يبدو أن اتحاد الشغل يدفع ثمن رهاناته السياسية الخاطئة واعتماده المفرط على تحالفات متغيرة مع مراكز القوى. فبدلاً من التمسك باستقلالية القرار النقابي، انخرطت القيادات في لعبة الحكم، مما أفقدها المصداقية أمام القواعد العمالية وأمام سلطة لا تؤمن بغير الحكم الفردي.
يبقى السؤال المطروح في الشارع التونسي: هل يستطيع الاتحاد تجديد نفسه والعودة إلى دوره الطبيعي كمدافع عن حقوق الشغالين؟ أم أن قطار التغيير الذي يقوده المسار الحالي قد تجاوزه، ليصبح مجرد ذكرى لمنظمة كانت يوماً ما تصنع الرؤساء وتسقط الحكومات في تونس؟





Share your opinion
اتحاد الشغل في تونس: من 'السلطة الخامسة' إلى مواجهة العزلة السياسية