ظهرت في الجزائر النسخة النهائية لمشروع التعديل التقني للدستور، وذلك قبل يومين فقط من الجلسة المرتقبة للتصويت عليه أمام غرفتي البرلمان. وقد حملت هذه النسخة تعديلات جوهرية وإضافات لم تكن مدرجة في المسودة الأولية التي نوقشت مع الأحزاب السياسية، مما يعكس توجهاً جديداً في صياغة القواعد المنظمة للسلطات العليا في البلاد.
ومن أبرز المفاجآت التي تضمنها النص النهائي، إلغاء شرط الحصول على الشهادة الجامعية للترشح لمنصب رئيس الجمهورية، والاكتفاء بنص المادة 87 الذي يشترط إثبات 'مستوى تعليمي' فقط. ويأتي هذا التراجع بعد نقاشات سياسية حادة، حيث اعتبر البعض أن شرط الشهادة يمثل تمييزاً بين المواطنين، بينما رأت السلطة أن منصب الرئاسة يتطلب قدرات استيعابية عالية للقضايا المعقدة.
وفيما يخص الغرفة الثانية للبرلمان، اقترح التعديل مراجعة المادة 121 المتعلقة بتمثيل الولايات في مجلس الأمة، حيث سيتم التخلي عن نظام المقعدين الثابتين لكل ولاية. وبدلاً من ذلك، سيتم اعتماد الكثافة السكانية كمعيار لتحديد عدد المقاعد، وهو ما يهدف إلى تحقيق عدالة في التمثيل تماشياً مع المعايير المعتمدة في المجالس الشعبية المنتخبة الأخرى.
كما عالجت التعديلات حالات الخلاف التشريعي بين غرفتي البرلمان، عبر تعديل المادة 145 لتعزيز دور مجلس الأمة في الفصل النهائي في النصوص المتعلقة باختصاصاته الدستورية. ويشمل ذلك قضايا التنظيم المحلي وتهيئة الإقليم، مما يكرس مبدأ التوازن والتكامل بين المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة ويمنع تغول غرفة على أخرى في مجالات محددة.
وعلى صعيد السلطة القضائية، شهدت تشكيلة المجلس الأعلى للقضاء تغييرات جذرية تهدف إلى إنهاء تضارب المصالح وتداخل المهام. فقد تقرر الاستغناء عن التمثيل النقابي للقضاة داخل المجلس، باعتبار أن الدور النقابي يركز على الحقوق المهنية والمادية، وهو ما قد يتعارض مع المهام الرقابية والتأديبية للمجلس الأعلى للقضاء.
وفي السياق ذاته، تم حذف عضوية رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان من تشكيلة المجلس القضائي لعدم الارتباط المباشر بالمهام. وفي المقابل، تم إدراج النائب العام لدى المحكمة العليا كعضو دائم لتمثيل النيابة العامة، لضمان انسجام التمثيل القضائي، خاصة وأن جلسات المحكمة العليا لا تنعقد قانوناً إلا بحضور النيابة.
وبالنسبة لمراسم أداء اليمين الدستورية، نص التعديل على أن يؤدي رئيس الجمهورية المنتخب اليمين أمام غرفتي البرلمان مجتمعتين، تعزيزاً لرمزية تمثيل الشعب. وسيتولى الرئيس الأول للمحكمة العليا تلاوة نص اليمين، وذلك لتفادي أي إشكالات قانونية قد تنجم في حال تولي رئيس المحكمة الدستورية مهام رئاسة الدولة مؤقتاً في حالات الشغور.
تم الاتفاق على إبقاء شرط المستوى التعليمي للمترشح لمنصب رئيس الجمهورية دون تفصيل حول ضرورة حيازة الشهادة الجامعية.
وفي خطوة تهدف إلى سد الفراغات القانونية، منح التعديل الدستوري رئيس الجمهورية صلاحية الدعوة لانتخابات محلية مسبقة، أسوة بالانتخابات الرئاسية والتشريعية. وترى مصادر مطلعة أن هذا الإجراء يحقق الانسجام في تنظيم العمليات الانتخابية ويمنح مرونة أكبر في التعامل مع الأزمات السياسية أو الإدارية على المستوى المحلي.
أما بخصوص التعيينات القضائية، فقد اقترح النص حذف شرط استصدار الرأي المطابق للمجلس الأعلى للقضاء عند تعيين القضاة في المناصب النوعية. وبرر المشرع ذلك بأن التعيين يتم بمرسوم رئاسي من رئيس الجمهورية الذي يرأس المجلس نفسه، مما يجعل طلب الرأي إجراءً شكلياً قد يؤدي إلى تعارض في حال صدور رأي مخالف لقرار الرئيس.
وشملت التعديلات أيضاً إعادة توزيع الأدوار بين وزارة الداخلية والسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، حيث ستعود مهام التحضير المادي واللوجستي للعمليات الانتخابية إلى عهدة الوزارة. وفي المقابل، ستتفرغ السلطة الوطنية لمهمتها الرقابية الأساسية على نزاهة الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمحلية، لضمان فعالية أكبر في إدارة الاستحقاقات الوطنية.
ومن المقرر أن يجتمع البرلمان بغرفتيه يوم الأربعاء المقبل للتصويت على هذه التعديلات في جلسة علنية مشتركة. ويتطلب تمرير المشروع موافقة ثلاثة أرباع الأعضاء، أي ما يعادل 437 صوتاً على الأقل، وهو رقم يبدو متاحاً في ظل الأغلبية المريحة التي تتمتع بها الحكومة داخل قبة البرلمان.
وتشير التوقعات إلى أن التعديلات ستمر دون معارضة تذكر، خاصة مع عدم إبداء الأحزاب الكبرى، بما فيها حركة مجتمع السلم، نية واضحة للاعتراض. ويأتي هذا التوقيت الحرج للتعديل لارتباطه الوثيق بالانتخابات التشريعية المقبلة، حيث تتضمن النصوص الجديدة مواداً تنظيمية يجب تفعيلها قبل موعد الاقتراع بثلاثة أشهر.
وفي حال المصادقة على المشروع، سيصدر التعديل الدستوري مباشرة في الجريدة الرسمية دون الحاجة لاستفتاء شعبي، وفقاً للصلاحيات التي تمنحها المادة 221 لرئيس الجمهورية. ويمثل هذا التعديل خطوة إضافية في مسار الإصلاحات المؤسساتية التي باشرتها الجزائر منذ اعتماد دستور عام 2020.
ختاماً، تعكس هذه التعديلات رغبة في 'عصرنة' الأداء المؤسساتي ومعالجة بعض الاختلالات التقنية التي ظهرت خلال الممارسة الميدانية في السنوات الأخيرة. ويبقى التحدي الأكبر في كيفية تنزيل هذه النصوص الدستورية إلى قوانين عضوية تضمن توازناً حقيقياً بين السلطات وتلبي تطلعات الشارع الجزائري في إدارة شفافة للشأن العام.





Share your opinion
الجزائر: النسخة النهائية للتعديل الدستوري تلغي شرط الشهادة الجامعية للرئاسة وتُعيد هيكلة القضاء والانتخابات