Tue 24 Mar 2026 10:25 am - Jerusalem Time

العيد خارج التقويم

أتخيل أن يأتي العيد…
لا كزمن يتكرر، بل كحقيقة تستعيد ذاتها بعد طول اغتراب، وكصدع في بنية الزمن يعيد ترتيب العلاقة بين ما كان وما ينبغي أن يكون..
كأنّ العيد ليس وعدا يتأخر، بل معنى يؤجل في أعماقنا حتى نستحقه، وكأنّه ليس يوما ننتظره في التقويم، بل انكشافا يسقط فيه القناع عن العالم، فنراه كما كان ينبغي له أن يكون منذ البدء.
وكأنّ الانتظار لم يكن فراغا، بل كان شكلا خفيا من التكوين، كأنّنا كنا نُعاد صياغتنا ببطء لنحتمل الحقيقة حين تأتي.
في الثامنة صباحاً، صوتي يخرج على الهواء، لكنّه هذه المرة لا ينقل خبرا فقط، بل يحمل تاريخا كاملا ينهض من صمته، ويعلن تحولا في بنية المعنى:
"من هنا.. حيث كان الاسم مثقلا بالاحتلال، نعلن أنّ البلاد عادت أخيرا إلى معناها الأول: حرة".
لكنّني، وأنا أقولها، أدرك أنّ الحرية لا تعلن فقط… بل تكتشف.
كأنّها كانت مخبوءة في طيات الصمت، تنتظر اللحظة التي نتجرأ فيها على تصديقها، وكأنّ ما يتحرر في تلك اللحظة ليس الأرض وحدها، بل الوعي بها، ليس الجغرافيا فحسب، بل اللغة التي كانت عاجزة عن قولها.
أشعر أنّ الكلمات أثقل من الصوت، وأنّ اللغة لا ترتجف فقط… بل تتشقق. كأنّها تخلع عنها قرونا من القهر، وتنفض طبقات الخوف التي تسربت إلى حروفها حتى صارت جزءا من نحوها وصرفها، حتى أنّ قول الحقيقة لم يعد فعلا لغويا، بل مغامرة وجودية كاملة.
اللغة هنا ليست حروفا… بل ذاكرة.
كل كلمة مرت من تحت الخوف تحمل أثره،
وكل صمت طويل تحول إلى جملة مؤجلة،
وحين ننطق اليوم، لا نصدر أصواتا فقط… بل نصحح تاريخا كتب ضدنا، ونستعيد القدرة على تسمية العالم كما نشاء.
كأنّني لا أقرأ نشرة أخبار، بل أحرر المعنى من سجنه، وأعيد تعريف الزمن: ما قبل هذا الإعلان لم يكن إلا انتظارا طويلا، بل زمنا معطلا، زمنا ناقصا يعيش خارج معناه،
وما بعده… ليس مجرد ولادة، بل بداية الزمن الحقيقي.
ولكن، أي ولادة هذه التي تحدث في اللحظة نفسها التي كنّا نظنها نهاية؟
كأنّ الزمن لا يسير كما تعلمنا، بل ينكسر عند اللحظات الكبرى، ويعيد تشكيل نفسه حولها،
كأنّ كل ما سبقها كان مجرد طريق إليها، أو ظلّا لها.
في ذلك الصباح، لا يكون العيد مجرد طقس،
ولا حتى احتفالا، بل يصبح برهانا على أنّ المعنى يمكن أن يُستعاد مهما طال تشوهه،
وأنّ الحقيقة، حتى لو أُجلت، لا تُلغى.
يقين لا يموت… ليس لأنّه لا يُهزم، بل لأنّه، حتى حين يُهزم، يترك أثرا يستحيل محوه،
كأنّ كل محاولة لطمسه، تعمقه أكثر.
كأنّ الحرية ليست حدثا ننتظره، بل حالة نتعلم أن نكونها، حالة انكشاف تتشكل فينا قبل أن تتحقق خارجنا، حتى ونحن في أقسى أشكال الحرمان.
فمتى سيأتي هذا العيد؟
ربما السؤال نفسه ينتمي إلى زمن الانتظار…
أما العيد الحقيقي، فلا يأتي بوصفه موعدا، بل يحدث بوصفه تحولا: حين ينكسر الخوف بوصفه طريقة في رؤية العالم، حين نتوقف عن اعتبار القهر حقيقة نهائية، ونبدأ في الشك فيه، لا في أنفسنا.
وربما… العيد لا يأتي دفعة واحدة، بل يتسلل إلينا تدريجيا، في صمود لا ينكسر، في صوت يخرج رغم الخوف، في إيمان يرفض أن يتعلم اليأس. حتى نجد أننا—دون أن ننتبه—لم نعد ننتظره… بل صرنا نعيشه، وصار العالم، أخيرا، أقرب إلى معناه الأول.

Tags

Share your opinion

العيد خارج التقويم

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.