تظل قصة الناشط السياسي والنقابي المغربي الحسين المانوزي واحدة من أكثر فصول الاختفاء القسري تعقيداً في تاريخ المغرب الحديث. بدأت فصول المأساة في مساء التاسع والعشرين من أكتوبر عام 1972، حين وصل المانوزي إلى العاصمة التونسية قادماً من ليبيا في زيارة قصيرة، لم يكن يعلم أنها فخ نُصب له بعناية فائقة.
وُلد المانوزي في بلدة تافراوت ونشأ في كنف أسرة عُرفت بتاريخها النضالي الطويل ضد الاستعمار الفرنسي. هذا المناخ الأسري دفع به مبكراً إلى الانخراط في العمل الوطني والسياسي، حيث كان منزل عائلته مركزاً سرياً لاجتماعات المقاومة، واستمر هذا النهج المعارض حتى بعد استقلال البلاد ومواجهة السلطات الأمنية.
مع تصاعد التوتر السياسي في المغرب، واجهت عائلة المانوزي حملة اعتقالات واسعة خلال محاكمة مراكش الشهيرة عام 1969. طالت الاعتقالات والده وإخوته وأعمامه، بينما صدر بحق الحسين حكم بالإعدام غيابياً، مما اضطره لمغادرة البلاد والتوجه نحو القارة الأوروبية لبدء حياة جديدة بعيداً عن الملاحقة.
استقر المانوزي في بلجيكا حيث أكمل دراسته في تخصص الطيران وعمل في الخطوط الجوية البلجيكية، لكنه لم يتخلَّ عن نشاطه السياسي. انخرط في العمل النقابي والجمعوي، وساهم في تأسيس مدارس لمحو الأمية وتعليم اللغة العربية للمهاجرين، ليصبح صوتاً مؤثراً في أوساط المعارضة المغربية في الخارج.
عملية اختطافه في تونس كانت نتاج تنسيق أمني دقيق، حيث استُدرج عبر مرشد عميل كان مندساً في صفوف المعارضين بليبيا. تم القبض عليه في منزل بضواحي تونس العاصمة، وجرى تخديره ونقله داخل صندوق سيارة تحمل لوحات دبلوماسية، ليُهرب عبر الحدود الجزائرية وصولاً إلى مراكز الاحتجاز السرية في المغرب.
لسنوات، ظل مصير المانوزي طي الكتمان دون أي اعتراف رسمي بوجوده قيد الاعتقال، حتى حدث تطور مفاجئ في يوليو 1975. علمت عائلته حينها أنه لا يزال على قيد الحياة بعد نجاحه في تنفيذ عملية هروب جريئة رفقة عدد من رفاقه من داخل أحد المعتقلات السرية المحصنة.
شقيق المانوزي، عبد الكريم، كشف أن الحسين تعرض لصنوف قاسية من التعذيب كادت تودي بحياته قبل محاولة الفرار. وخلال فترة احتجازه، التقى بعسكريين متورطين في محاولات انقلابية، وخططوا معاً للسيطرة على الحراس وانتزاع أسلحتهم، وهو ما تم بالفعل في الثالث عشر من يوليو 1975.
منزل العائلة قبل الاستقلال كان مقراً لاجتماعات الخلايا السرية لحركة المقاومة والحركة الوطنية، واستمر هذا النضال في مواجهة السلطة الأمنية الحديدية.
لم يكن شركاء المانوزي في رحلة الهروب سوى الإخوة بوريكات الثلاثة، الذين كانت تربطهم صلات معقدة بالقصر قبل اختطافهم. استطاع الفارون الخروج من المعتقل، لكن السلطات استنفرت أجهزتها للبحث عنهم، وتمكنت من إعادة اعتقال معظمهم خلال أقل من أربع وعشرين ساعة من بدء العملية.
وحده الحسين المانوزي وضابط الصف عقا حروش تمكنا من التواري عن الأنظار لفترة أطول قليلاً، حيث لجآ إلى قرية عين العودة قرب الرباط. استضافهما هناك شخص يدعى الحسين حامة لمدة أسبوع، رغم أن الأخير كان يشارك ظاهرياً في عمليات البحث التي يقودها الدرك الملكي.
بفضل خبرته السياسية، حاول المانوزي إقناع مضيفه بمساعدته على تجاوز الحواجز الأمنية المشددة عند مخرج القرية. إلا أن الحظ لم يحالفه هذه المرة، حيث تمكنت القوات الأمنية من التعرف عليه عند مدخل القرية، ليتم اعتقاله مجدداً ونقله إلى وجهة غير معلومة تحت حراسة مشددة.
بعد إعادة الاعتقال في تلك الليلة من يوليو 1975، انقطعت أخبار المانوزي تماماً ودخل في نفق الإخفاء القسري الطويل. بدأت عائلته رحلة بحث مضنية استمرت عقوداً، طرقت خلالها كافة الأبواب الحقوقية والدولية في محاولة لمعرفة مصير ابنها الذي اختفى دون أثر قانوني.
في عام 1998، أصدرت لجنة حقوقية تقريراً يشير إلى وفاة المانوزي أثناء فترة احتجازه، وهي النتيجة التي رفضتها العائلة جملة وتفصيلاً. أكد محامي الأسرة أن هناك قرائن ثابتة تشير إلى بقائه على قيد الحياة لفترات أطول مما ذكره التقرير، مطالبين بكشف الحقيقة الكاملة ومحاسبة المسؤولين.
رغم الجهود التي بذلتها هيئة الإنصاف والمصالحة في المغرب لطي ملفات الماضي وكشف مصير المختفين، ظل ملف المانوزي جرحاً نازفاً. لم تتوصل التحقيقات إلى يقين قاطع حول ما إذا كان قد تمت تصفيته جسدياً أو توفي نتيجة التعذيب، ليظل اسمه مدرجاً ضمن قوائم المغيبين قسراً.
تختصر حكاية الحسين المانوزي مأساة جيل من المعارضين الذين دفعوا أثماناً باهظة في سبيل قناعاتهم السياسية. فمن الاستدراج في تونس إلى الهروب المثير في المغرب، يبقى مصيره لغزاً يؤرق الضمير الحقوقي، ويجسد واحدة من أكثر قضايا حقوق الإنسان إيلاماً في الذاكرة المغربية.





Share your opinion
الحسين المانوزي.. لغز الاختطاف والهروب الذي انتهى بمصير مجهول منذ نصف قرن