Thu 19 Mar 2026 11:03 pm - Jerusalem Time

قصة «يا ليلة العيد».. كيف تحولت أغنية سينمائية إلى نشيد خالد للأجيال؟

تظل أغنية «يا ليلة العيد» صوتاً ينساب من المذياع القديم ويتسلل عبر الشرفات والأزقة، حاملاً معه عبق البهجة التي لا تكتمل عشية عيدي الفطر والأضحى إلا بها. لقد تحولت هذه الأغنية بمرور العقود إلى جزء راسخ من الوجدان العربي، حيث يتوارث الكبار والصغار محبتها كطقس احتفالي لا يشيخ.

إن تقادم التسجيل الصوتي لكوكب الشرق أم كلثوم لم يزد الأغنية إلا رسوخاً وقوة في النفوس، وكأنها تكتسب بريقاً إضافياً مع كل إعلان عن رؤية الهلال. هذه القدرة الفائقة على العبور بين الأجيال تفسر كيف تحول عمل فني ارتبط بسياق درامي محدد إلى علامة تجارية مسجلة للفرح في الذاكرة العربية.

بدأت حكاية الأغنية في عام 1939، حين خرجت للنور بتوليفة إبداعية جمعت بين كلمات الشاعر أحمد رامي وألحان الموسيقار رياض السنباطي. كانت الأغنية في الأصل جزءاً من أحداث فيلم «دنانير»، الذي أدت فيه أم كلثوم دور جارية تمتلك صوتاً عذباً في بلاط الخلافة العباسية.

وعلى الرغم من أن الإطار الزمني للفيلم كان يعود لعهد الخليفة هارون الرشيد ووزيره جعفر البرمكي، إلا أن الأغنية سرعان ما تمردت على قيود السينما. لقد أفلتت الكلمات من عباءة الغناء للحاكم في ذلك العصر لتصبح نشيداً شعبياً خالصاً يحتفي بقدوم العيد في كل مكان.

وتشير الروايات التاريخية المتداولة في الأوساط الفنية المصرية إلى أن مطلع الأغنية الشهير «يا ليلة العيد آنستينا» لم يكن وليد خيال رامي وحده. بل يقال إن أم كلثوم سمعت هذه العبارة من بائع متجول كان ينادي بها أمام مبنى الإذاعة، فعلقت في ذهنها وطلبت صياغتها في أغنية.

في النسخة الأصلية التي ظهرت في الفيلم، كانت الكلمات تقول: «يا دجلة ميتك عنبر.. وزرعك في الغيطان نور، يعيش هارون يعيش جعفر.. ونحيي لكم ليالي العيد». هذا المقطع كان مرتبطاً بالبيئة العراقية والسياق الدرامي للقصة التاريخية التي تناولها الفيلم آنذاك.

لكن وبذكاء فني لافت، تم تحرير الأغنية من سياقها الفيلمي لاحقاً لتناسب البث الإذاعي العام، مما منحها عمراً أطول وقبولاً أوسع. قام أحمد رامي باستبدال المقاطع التي تشير إلى الشخصيات التاريخية بكلمات تحتفي بالنيل ومصر، لتصبح الأغنية أكثر قرباً من نبض الشارع.

أصبحت الكلمات الجديدة تقول: «يا نيلنا ميتك سكر.. وزرعك في الغيطان نور، تعيش يا نيل وتتهنى.. ونحيي لك ليالي العيد». هذا التعديل جعل الأغنية تتجاوز حدود الشاشة لتستقر في قلوب الناس كأغنية وطنية واجتماعية في آن واحد، تعبر عن فرحة المصريين والعرب.

ولم تتوقف التعديلات عند هذا الحد، ففي عام 1944 شهدت الأغنية محطة سياسية وتاريخية هامة خلال حفل النادي الأهلي. فبينما كانت أم كلثوم تشدو بالأغنية بحضور الملك فاروق، قامت بتغيير بعض الكلمات بشكل مفاجئ لتمجيد الملك الشاب الذي كان حاضراً في القاعة.

استبدلت كوكب الشرق عبارة «يعيش هارون يعيش جعفر» بعبارة «يعيش فاروق ويتهنى.. ونحيي له ليالي العيد»، كما عدلت بعض الحروف في المطلع. هذا الموقف دفع الملك فاروق لمنحها «نيشان الكمال» بصورة استثنائية، وهو وسام كان مخصصاً فقط لأميرات الأسرة العلوية.

بموجب هذا الوسام، نالت أم كلثوم لقب «صاحبة العصمة»، وهو تكريم غير مسبوق لفنانة في ذلك الوقت، مما عزز مكانتها الاجتماعية والفنية. إلا أن هذا التسجيل الخاص بالحفل الملكي واجه الحجب لقرابة أربعة عقود بعد قيام ثورة يوليو 1952 وتغير النظام السياسي في مصر.

اليوم، ومع كل اقتراب لموعد العيد، تعود «يا ليلة العيد» لتتصدر المشهد السمعي في البيوت والأسواق والمقاهي العربية. لقد نجحت الأغنية في البقاء كعلامة ثابتة تتجدد مع كل إعلان عن العيد، متجاوزة كل الظروف السياسية والاجتماعية التي عاصرتها منذ ثلاثينيات القرن الماضي.

Tags

Share your opinion

قصة «يا ليلة العيد».. كيف تحولت أغنية سينمائية إلى نشيد خالد للأجيال؟

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.