تسود حالة من الإحباط في الأوساط المناهضة لسياسات الهيمنة الدولية جراء الهجمات العسكرية التي شنتها باكستان على جارتها أفغانستان. ويرى مراقبون أن توقيت هذه الهجمات يثير تساؤلات عميقة، خاصة أنها بدأت عقب إعلان كابول وقوفها إلى جانب طهران في مواجهة الضغوط الأمريكية الأخيرة.
تبدو هذه التحركات العسكرية وكأنها استجابة لضغوط خارجية أكثر من كونها ضرورة أمنية وطنية. ورغم تبرير إسلام آباد لهذه العمليات بوجود تنسيق بين كابول والهند، إلا أن الحكومة الأفغانية نفت هذه الادعاءات جملة وتفصيلاً، معتبرة إياها اتهامات لا تستند إلى واقع ملموس.
لا يمكن فصل هذا التصعيد عن المطالب الأمريكية المتكررة بالعودة إلى قاعدة بجرام الجوية الاستراتيجية. وقد قوبلت هذه المطالب برفض قاطع من حكومة كابول، مما أدى إلى تصاعد التهديدات الأمريكية بالعودة إلى المنطقة باستخدام القوة إذا لزم الأمر.
يبرز التناقض في المشهد الإقليمي عند مقارنة الموقف الباكستاني بالموقف الإيراني تجاه الممارسات الدولية. ففي الوقت الذي تسعى فيه طهران لتعزيز صمودها، تظهر باكستان، القوة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي، في موقف المهاجم لدولة جارة خرجت لتوها من عقود من الحروب.
تشير تقارير ومصادر مطلعة إلى وجود روابط وثيقة بين بعض قادة المؤسسة العسكرية في باكستان والدوائر الاستخباراتية الغربية. هذه الروابط كانت دائماً محل جدل واسع داخل الشارع الباكستاني، خاصة في ظل التقلبات السياسية المتسارعة التي تشهدها البلاد.
لطالما كانت اتهامات رئيس الوزراء الأسبق عمران خان محوراً لهذا الجدل، حيث صرح مراراً بتعرضه لضغوط هائلة للتبعية للسياسة الأمريكية. وأكد خان أن محاولاته للانفتاح على طالبان أفغانستان والتوجه نحو تحالفات مع موسكو وبكين كانت السبب الرئيس وراء الإطاحة به.
تعرض عمران خان لسلسلة من الملاحقات القانونية التي وصفها أنصاره بأنها كيدية وذات دوافع سياسية بحتة. وشملت هذه التهم قضايا تتعلق بحياته الشخصية وهدايا دبلوماسية، في محاولة واضحة لتشويه سمعته السياسية وتقويض شعبيته الطاغية.
بينما ينظر ضحايا السياسات الأمريكية بإعجاب للصمود الإيراني، نجد باكستان تشوش على المشهد باستعراض عضلاتها على جارتها أفغانستان.
إن تاريخ باكستان مع قادتها السياسيين والعلميين يعكس حجم التحديات التي تواجه استقلالية القرار الوطني. فالعالم النووي عبد القدير خان، الذي حمى بلاده من التهديدات الخارجية، انتهى به المطاف سجيناً ومتهماً بتسريب أسرار الدولة استجابة لضغوط دولية.
المصير المأساوي لم يقتصر على العلماء، بل امتد ليشمل رؤساء الحكومات الذين حاولوا انتهاج سياسات مستقلة. فمن إعدام ذو الفقار علي بوتو إلى اغتيال ابنته بينظير، يبدو أن الثمن السياسي للتمرد على الإملاءات الخارجية كان دائماً باهظاً.
صرحت بينظير بوتو في مذكراتها ولقاءاتها بأن الدعم الدولي للحكم في باكستان كان دائماً مشروطاً بتنفيذ أجندات محددة. هذا الاعتراف يتقاطع بشكل كبير مع ما يواجهه القادة الحاليون الذين يحاولون الخروج من عباءة التبعية التقليدية لواشنطن.
في المقابل، حظي قادة مثل برويز مشرف بفترات حكم طويلة ومستقرة نسبياً بسبب ولائهم الظاهر للسياسات الأمريكية. هذا التباين في التعامل الدولي مع القادة الباكستانيين يوضح المعايير التي تحكم استقرار السلطة في هذا البلد الاستراتيجي.
إن الهجمات الحالية على أفغانستان تعيد إنتاج ذات المشهد من التوتر الحدودي الذي يخدم مصالح أطراف بعيدة عن المنطقة. وبدلاً من بناء جسور الثقة بين الجارين المسلمين، تساهم هذه العمليات في تعميق الفجوة وزيادة حالة عدم الاستقرار الإقليمي.
تؤكد الحكومة الأفغانية باستمرار رغبتها في بناء علاقات متوازنة مع إسلام آباد قائمة على الاحترام المتبادل وعدم التدخل. إلا أن الضغوط الجيوسياسية تجعل من الصعب على صانع القرار الباكستاني تجاوز الخطوط الحمراء التي ترسمها القوى الكبرى.
يبقى المشهد الباكستاني مليئاً بالتناقضات بين طموحات الشعب في السيادة وبين واقع الارتهان للخارج. وتظل العلاقة مع أفغانستان هي الاختبار الحقيقي لقدرة إسلام آباد على قيادة سياسة خارجية مستقلة تخدم مصالح الأمة الإسلامية بعيداً عن الإملاءات.





Share your opinion
التوترات الباكستانية الأفغانية: قراءة في التناقضات السياسية والتدخلات الخارجية