أعاد المسلسل الرمضاني 'حكاية نرجس' فتح جروح قديمة في قلوب العائلات التي عانت من مأساة خطف الأطفال، وهي الجريمة التي لا تزال تطل برأسها في المجتمعات العربية نتيجة ظروف اجتماعية معقدة. ويستحضر العمل، الذي يستلهم أحداثه من واقعة حقيقية شهدتها مصر، حكايات أسر لا تزال تعيش مرارة الانتظار وفقدان الأبناء.
ولا يكتفي المسلسل بإثارة الجراح، بل يغوص في قضية تأخر الإنجاب وما يرافقها من ضغوط نفسية واجتماعية قاسية تُمارس على الأزواج. ففي كثير من الأحيان، تتحول هذه المسألة الشخصية إلى مادة للتنمر الاجتماعي، مما قد يدفع الضحايا إلى العزلة أو الانزلاق نحو سلوكيات يائسة تحت وطأة الوصم.
تتمحور أحداث العمل، الذي كتبه عمار صبري وأخرجه سامح علاء، حول شخصية 'نرجس' التي تؤدي دورها الفنانة ريهام عبد الغفور. تعيش نرجس صراعاً مريراً مع مجتمعها بسبب عدم قدرتها على الإنجاب، وهو ما يؤدي في النهاية إلى انهيار حياتها الزوجية الأولى وارتباط زوجها بامرأة أخرى.
تحاول نرجس بدء حياة جديدة بالزواج من حبيبها القديم 'عوني'، الذي يجسد شخصيته الممثل حمزة العيلي، إلا أن هذه البداية تصطدم برفض عائلته القاطع. وتجد البطلة نفسها محاصرة بنظرات الشك والرفض ذاتها، مما يعمق جراحها النفسية ويدفعها نحو حافة الانهيار.
ومع تزايد حدة التنمر، تبدأ نرجس في سلوك مسارات مظلمة بدأت بكذبة صغيرة حول ادعاء الحمل، لكنها سرعان ما تطورت إلى جرائم خطف منظمة. لقد حاولت نرجس من خلال هذه الجرائم ملء فراغ الحرمان وإقناع المجتمع بأنها امرأة 'طبيعية'، متجاهلة العواقب الكارثية لأفعالها.
تستند 'حكاية نرجس' إلى قصة 'عزيزة بنت إبليس'، وهي واحدة من أكثر الجرائم غموضاً وإثارة في ثمانينيات القرن الماضي بمدينة الإسكندرية. بدأت القصة الحقيقية مع عزيزة السعداوي، التي تعرضت لإساءة المعاملة والطلاق بسبب عدم الإنجاب، مما جعلها هدفاً دائماً لنظرات الشفقة القاتلة.
في عام 1983، نفذت عزيزة أولى جرائمها باختطاف طفل من مستشفى الشاطبي بعد تنكرها في زي ممرضة، ونجحت في تسجيله باسمها واسم زوجها الجديد. لم تكن هذه العملية سوى البداية لسلسلة من الاختطافات التي شملت أطفالاً آخرين من الأسواق والمرافق العامة تحت غطاء الحمل الوهمي.
انزلقت الفتاة التي أثقلها تنمر المجتمع إلى عالم الجريمة تماماً، حتى أصبحت تخطف الأطفال وتبيعهم مقابل مبالغ مالية.
بمرور الوقت، تحولت عزيزة من امرأة تبحث عن الأمومة الزائفة إلى مجرمة محترفة تتاجر بالأطفال مقابل مبالغ مالية. واستمر هذا الخداع لسنوات طويلة حتى تمكنت الأجهزة الأمنية من كشف خيوط الجريمة عام 1992، وصدر بحقها حكم بالسجن لمدة سبع سنوات.
من بين الأطفال الذين اختطفتهم عزيزة، برزت قصة الشاب 'إسلام' الذي عاش مع أسرة غريبة عنه لمدة 22 عاماً بناءً على ادعاءات الخاطفة. ورغم أن تحاليل الحمض النووي أثبتت لاحقاً عدم انتمائه لتلك الأسرة، إلا أن الحقيقة ظلت غائبة تماماً عن هويته الأصلية.
بعد خروجها من السجن، ظهرت عزيزة في وسائل الإعلام متمسكة بروايتها بأن إسلام هو ابنها الحقيقي، رغم النفي القاطع من الفحوصات الطبية. وبقيت ترفض الكشف عن هوية أسرته البيولوجية، مما ترك الشاب في حالة من الضياع النفسي والقانوني المستمر.
انتهت حياة عزيزة السعداوي بالانتحار، ومع رحيلها ضاعت الحقيقة الوحيدة التي كان يبحث عنها إسلام لسنوات طويلة. وبات الشاب عالقاً بين روايات متناقضة، عاجزاً عن الوصول إلى جذوره الحقيقية لأن الشخص الوحيد الذي يملك السر قد فارق الحياة.
أثار المسلسل انقساماً حاداً بين المتابعين على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تباينت الآراء بين التعاطف مع نرجس كضحية للمجتمع وبين إدانتها كمجرمة. ويرى المستنكرون أن الضغوط الاجتماعية لا تبرر أبداً حرمان الأمهات من أطفالهن وتدمير مستقبل الصغار.
في المقابل، يتبنى فريق آخر وجهة نظر ترى في نرجس انعكاساً لقسوة المجتمع الذي لا يرحم المرأة التي تعاني من مشاكل صحية. ويؤكد هؤلاء أن التنمر المستمر والوصم الاجتماعي هما المحركان الأساسيان اللذان دفعا البطلة نحو هذا المصير المأساوي والجريمة.
وبين هذا وذاك، تظل 'حكاية نرجس' صرخة درامية في وجه التقاليد البالية التي ترهق كاهل الأفراد وتدفعهم نحو الهاوية. ويبقى الحكم النهائي للجمهور الذي يراقب كيف يمكن للدراما أن تعيد إحياء قضايا واقعية منسية لتسليط الضوء على ثغرات المجتمع.





Share your opinion
دراما 'حكاية نرجس' تعيد فتح ملف 'عزيزة بنت إبليس' وقضايا خطف الأطفال