Mon 16 Mar 2026 4:03 am - Jerusalem Time

بين 'شرك القصور' وطموحات 'ترامبياهو': قراءة في جدلية الموقف من إيران والمنطقة

تتداخل المفاهيم الدعوية والسياسية في قراءة الواقع الراهن، حيث يبرز التمييز بين ما يمكن تسميته 'شرك القبور' المتمثل في التعلق بالأموات، و'شرك القصور' الذي يعني الارتهان لإرادة الحكام الجائرين والسعي لنيل حظوتهم بالباطل. إن التحذير من التبعية العمياء للسلطان يعد من أسمى مراتب الجهاد، استناداً إلى الإرث النبوي الذي جعل كلمة الحق عند الحاكم الجائر صفة لسيد الشهداء.

ولا يقتصر خطر التبعية على بلاط السلاطين فحسب، بل يمتد ليشمل الخضوع لرغبات الجماهير وضغوط المتابعين، وهو ما يقع فيه بعض الدعاة سعياً وراء 'الإعجاب' الرقمي. وقد حذر الشيخ محمد الغزالي سابقاً من مسايرة رغبات العوام دون ترشيد، مؤكداً أن الوعي الحقيقي يقتضي قيادة الناس نحو الحق لا الانقياد وراء أهوائهم المتقلبة.

وفي ظل المعارك المحتدمة في المنطقة، انقسم الشارع العربي حيال الدور الإيراني إلى تيارين متصادمين؛ الأول يرى في طهران القوة الوحيدة القادرة على مجابهة المشروع الصهيوني ودعم المقاومة الفلسطينية. هذا الفريق يعتبر أن مواقف إيران الراهنة في مواجهة 'الحملة الصهيو-صليبية' تجبُّ ما قبلها من عثرات سياسية أو صراعات إقليمية سابقة.

على الطرف الآخر، يقف فريق يرى في السياسات الإيرانية تهديداً وجودياً، مستحضراً التدخلات في سوريا والعراق وأفغانستان، ومعتبراً أن دماء السوريين لا تزال تلطخ هذا المشروع. يتبنى هذا التيار رؤية مفادها أن المنطقة تمر بمرحلة صراع بين ظالمين، آملاً في خروج الشعوب العربية من هذا الأتون بأقل الخسائر الممكنة.

بين هذين القطبين، يبرز طريق ثالث يرفض القسمة الثنائية الضيقة واتهامات التخوين المتبادلة بين 'المتأيرنين' و'المتأمركين'. هذا المنهج الوسطي يرى ضرورة الفصل بين دعم إيران في وجه المشاريع الاستعمارية وبين رفض سياساتها التوسعية التي تستهدف استقرار دول الجوار العربي والمنشآت المدنية فيها.

إن المنطقة تواجه اليوم مشروعاً أطلق عليه 'ترامبياهو'، وهو تحالف يجمع بين طموحات دونالد ترامب وأجندة بنيامين نتنياهو، يهدف إلى إعادة رسم الخرائط وتكريس سيادة إسرائيل. هذا المشروع يسعى لتجاوز حدود 'سايكس-بيكو' التاريخية نحو نموذج جديد يضع المنطقة بأكملها تحت راية 'إسرائيل الكبرى' وهيمنتها المطلقة.

وفي هذا السياق، لا يمكن القبول بالحياد عندما يتعلق الأمر بتهديد الأمن القومي للدول التي تتبنى مواقف عادلة وتستضيف قادة المقاومة الفلسطينية. إن استهداف المدنيين وترويع الآمنين في دول الجوار تحت أي ذريعة هو فعل مدان، والحياد في هذه الحالة قد يرقى إلى مرتبة الخيانة للقيم والمبادئ الأخلاقية.

تظهر المفارقة في أن بعض القوى الإقليمية التي تسعى لحماية المظلومين وتلعب دور الوسيط الصادق في ملفات التفاوض، تجد نفسها مستهدفة من قبل الاحتلال الصهيوني. هذا الاستهداف يؤكد أن المعركة ليست مجرد صراع نفوذ، بل هي محاولة لكسر كل من يقف في وجه تصفية القضية الفلسطينية أو يدعم صمود شعبها.

إن توصيف إيران بأنها 'مظلومة' أمام الاستعلاء الأمريكي والصهيوني لا يمنع من وصفها بـ 'الظالمة' عندما تنقل صراعاتها إلى العمق الخليجي وتستهدف جيرانها. هذا التمييز الأخلاقي والسياسي هو ما يحفظ توازن الرؤية ويمنع السقوط في فخ الانحيازات المطلقة التي تعمي عن الحقائق الميدانية.

يشبه الواقع الحالي قصة 'أبرهة الأشرم' الذي جاء لهدم الكعبة، لكن النسخة المعاصرة تتمثل في 'أبرهة الأشقر' الذي يسعى لهدم التاريخ وتغيير الجغرافيا لصالح ربيبته الصهيونية. إن التحالف الأمريكي الإسرائيلي يمثل كتيبة متقدمة في جيش إمبراطورية بدأت شمسها بالمغيب، مما ينبئ بأفول قريب لمشاريعها في المنطقة.

ستنتهي هذه الحروب لا محالة، لكن النصر الحقيقي يتجلى في مدى الاستفادة من الدروس القاسية وفهم طبيعة التحالفات الغادرة. إن من يراهن على الحماية الأمريكية لكف الأذى الإيراني كمن يستجير من الرمضاء بالنار، فالقوى الكبرى لا تتحرك إلا وفق مصالحها الضيقة وتطلعاتها الاستعمارية.

القرآن الكريم علمنا أن الألوان والخيارات تتعدد ولا تنحصر في الأبيض والأسود فقط، وهو درس بليغ لمن يحصرون المواقف السياسية في خندقين لا ثالث لهما. إن ضيق الأفق لدى أصحاب الاتجاهات الحادة يجعلهم ينكرون كل تاريخ من التوافق بمجرد حدوث اختلاف واحد في وجهات النظر.

إن معركة الوعي تتطلب شجاعة في التعبير عما يعتقده المرء بعيداً عن ضجيج الجماهير أو إملاءات القوى السياسية. الالتزام ببوصلة الضمير هو المنجي الوحيد في زمن الفتن، حيث تختلط الأوراق وتضيع الحقائق وسط سيل من الدعاية الموجهة من كافة الأطراف المتصارعة.

ختاماً، يبقى الرهان على وعي الشعوب وقدرتها على التمييز بين من يدعم قضاياها بصدق وبين من يتخذها ورقة للمساومة السياسية. إن زوال المشاريع اللقيطة في المنطقة هو حتمية تاريخية، شريطة أن تدرك الأمة مكامن قوتها وتتحرر من تبعية 'القصور' ومن أوهام الحماية الخارجية الزائفة.

Tags

Share your opinion

بين 'شرك القصور' وطموحات 'ترامبياهو': قراءة في جدلية الموقف من إيران والمنطقة

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.