بمعزل عن مسألة نجاح هذه الحرب على تحقيق هدفها المركزي المتمثل في إسقاط النظام الإيراني، أو ما يقدم في الخطاب السياسي على أنه "تهيئة الظروف للشعب الإيراني لنيل حريته"، عبر تنفيذ ضربة سريعة وحاسمة تستهدف رأس هرم القيادة السياسية والعسكرية، فإن هذه المقاربة تندرج ضمن إطار أوسع من الأهداف الاستراتيجية. إذ تتكامل بالتوازي إلى تقليص القدرات العسكرية الإيرانية، وعرقلة تطور برنامجها النووي ومنع تحوله إلى مصدر تهديد استراتيجي مستقبلاً، بما يفضي إلى تقويض نفوذ إيران الإقليمي والدولي وإعادة تشكيل موازين القوة في المنطقة.
على خلاف ذلك، وفي سياق تحليل استشرافي للتطورات الراهنة يظهر جلياً أن القوة العسكرية، مهما بلغت درجة تفوقها، تواجه حدودا واضحة عندما تتداخل مع عوامل الجغرافيا والسياسة والاقتصاد، ولو أن الأمر يختلف في بعض البلاد التي ليست لها وجود جغرافي متميـز وقليل هي؛ وايران ليس منها على كل حال. وعليه نجد أن هناك فجوة واضحة بين الأهداف وبين النتائج الظاهرة. بل قد تنعكس على الداخل الإيراني، من خلال تكريس العداء تجاه الولايات المتحدة و"إسرائيل"، وتوحيد الصفوف السياسية والشعبية حول القيادة العليا.
ما نريد أن نصل إليه من هذه الفاتحة هو أن المواجهة بشكلها الحالي تدخل في إطار علاقة تأثير وتأثر متبادل في الساحة الإقليمية والدولية عسكرياً وسياسياً واقتصادياً. فالبعد الأكثر حساسية في هذه المعادلة يتمثل في موقف دول الخليج العربي التي تواجه خيارين: فإما أن تنخرط في الحرب، وهو ما ينبئ بإمكانية انزلاق المنطقة نحو فوضى ممتدة ومعقدة، ترهق البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية لدول الخليج، وتزيد من هشاشتها، وهنا نستحضر قدرة إيران الطويلة والمتراكمة في هذا الخصوص (حرب الخليج الأولى). وفي الحقيقة هذا الخيار مستبعد نظرا ليقين دول الخليج بتخلي الولايات المتحدة و"إسرائيل" عنها في نهاية المطاف.
وإما أن تتجه إلى تبني مواقف أكثر حذراً في دعم العمليات العسكرية أو في توفير التسهيلات اللوجستية الواسعة لها. وفي هذه الحالة، قد تجد الولايات المتحدة و"إسرائيل" نفسيهما أمام بيئة إقليمية أقل دعما لحرب طويلة الأمد، الأمر الذي قد يدفع نحو البحث عن مخرج سياسي جديد.
في سياق متمم نجد الغموض الاستراتيجي في تحديد الغايات الفعلية للحرب. فالتجارب التاريخية في الحروب تشير إلى أن القدرات الجوية وهنا نتحدث بالتحديد عن سلاح الجو والقصف المتواصل، لا يكفي لتحقيق تغيير جذري في طبيعة الأنظمة السياسية المستهدفة وموازين القوة. كما أن هذه الأهداف في عمقها الإستراتيجي ليست متطابقة بين "إسرائيل" والولايات المتحدة الأمريكية، وذلك لا يعني غياب التماهي أو التقارب في جوهرها. فبينما تسعى الاخيرة إلى إعادة فرض الهيمنة في المنطقة وتحقيق مكاسب سياسية داخلية وخارجية، تركز إسرائيل على الحد من النفوذ الإيراني وضمان التفوق الاستراتيجي في المنطقة بما يخدم الأمن القومي "الإسرائيلي" المباشر. وبالتالي هذا التباين قائم على توافقات مؤقتة في المصالح، وهو ما قد يؤدي إلى تناقضات في التنفيذ وتباين في النتائج المتوقعة على مستوى التوجهات السياسية الإقليمية والدولية.
وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن الأهداف المعلنة للحرب تواجه تحديات جوهرية تتعلق بطبيعة البيئة الجيوسياسية التي تجري فيها. فإيران، رغم الضغوط العسكرية والعقوبات الاقتصادية التاريخية، ما زالت قادرة على استخدام الجغرافيا الاستراتيجية للمنطقة كوسيلة تأثير "مضيق هرمز"، بينما يضطر كل من الولايات المتحدة و"إسرائيل" إلى موازنة الخيارات العسكرية مع اعتبارات الاستقرار الاقتصادي العالمي ومواقف الحلفاء الإقليميين. وفي مثل هذه الظروف، قد تتحول الحرب نفسها إلى عامل يعيد إنتاج التوازنات القائمة بدل أن يغيرها.
Sun 15 Mar 2026 10:50 am - Jerusalem Time





Share your opinion
أبعاد المواجهة الإيرانية: قراءة استشرافية