تطرح التساؤلات اليوم بقوة حول مصير المادة الدينية في خارطة البرامج والدراما المصرية، بعد أن كانت الإذاعة والتلفزيون يمتلكان الريادة الكاملة في هذا المجال. لقد شكلت هذه المنصات عبر تاريخها الطويل منبراً لتقديم جوهر الدين الصحيح بأسلوب يتسم بالرصانة والعمق، بعيداً عن السطحية أو التشدد.
وبالنظر إلى الذاكرة الإعلامية، لا يمكن إغفال الأثر البالغ الذي تركه برنامج 'نور على نور' للإعلامي الراحل أحمد فراج. فقد استمر هذا البرنامج من حقبة الستينيات وحتى نهاية الثمانينيات، محققاً نجاحاً منقطع النظير في تبسيط المفاهيم الدينية وربطها بالواقع المعاصر للمشاهد العربي.
وعلى صعيد الأثير الإذاعي، برزت أسماء وقامات تركت بصمة لا تُمحى في تاريخ الإعلام الديني، ومنهم إسلام فارس الذي قدم مادة تاريخية إسلامية ثرية. لقد نجحت تلك البرامج في جذب المستمعين من خلال سرد قصصي وتوثيقي دقيق ساهم في تعزيز الثقافة الدينية لدى أجيال متعاقبة.
كما ارتبطت شعائر صلاة الجمعة في وجدان المصريين بصوت المذيع النجم عبد الرحمن علي، الذي كان يضفي بتعليقه الصوتي الأخاذ هيبة ووقاراً على الفعاليات الدينية. كانت تلك التغطيات تمثل حالة من التواصل الروحي والوطني، حيث يلتف الجميع حول شاشات التلفزيون لمتابعة الخطبة والمناسك.
أما في مجال الدراما، فقد قدم المخرج أحمد طنطاوي ملحمة 'محمد رسول الله'، التي تعد واحدة من أهم العلامات الفارقة في تاريخ الإنتاج التلفزيوني العربي. استطاع هذا العمل أن يجسد السيرة النبوية بأسلوب فني رفيع، جمع بين دقة المعلومة التاريخية وجودة الأداء التمثيلي والإخراجي.
لعبت الإذاعة والتلفزيون المصريين دوراً محورياً في تشكيل الوعي الجمعي الديني عبر عقود من العطاء الرصين.
ولم يقتصر الإبداع الدرامي على المخرجين المتخصصين في التلفزيون فحسب، بل امتد ليشمل كبار مخرجي السينما الذين انتقلوا للشاشة الصغيرة لتقديم أعمال خالدة. ومن أبرز هؤلاء المخرج حسام الدين مصطفى، الذي قدم مسلسل 'أبو حنيفة النعمان' من بطولة الفنان القدير محمود ياسين، محققاً نجاحاً جماهيرياً واسعاً.
وفي ذات السياق، برز المخرج أحمد توفيق بتقديم أعمال درامية تاريخية اتسمت بالعمق الفلسفي والسياسي، وعلى رأسها مسلسل 'عمر بن عبد العزيز'. وقد جسد الفنان نور الشريف شخصية الخليفة العادل ببراعة فائقة، مما جعل العمل مرجعاً درامياً مهماً في تجسيد قيم العدالة والزهد.
إن هذا الإرث العظيم يضعنا أمام تساؤل ملح حول أسباب القصور الحالي في المشهد الإعلامي الديني، الذي بات يشوبه الكثير من التراجع والارتباك. لقد أدى غياب المنهجية المدروسة إلى فراغ كبير، مما سمح بظهور محتويات قد لا تعبر بدقة عن وسطية الدين واعتداله.
لذا، تبرز الحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى تدخل قيادات الإعلام الجديدة لإعادة إحياء هذا الدور التنويري المهم. إن تطوير الأدوات الإعلامية ومعالجة أوجه القصور يتطلب رؤية شاملة تدمج بين الأصالة في المحتوى والمعاصرة في أساليب التقديم والإنتاج الفني.
نتطلع إلى أن يشهد المستقبل القريب عودة قوية للدراما الدينية والبرامج الحوارية الرصينة التي تساهم في تنمية الوعي الصحيح. إن الهدف الأسمى هو استعادة الثقة في الإعلام الرسمي كمرجعية أساسية في تقديم المادة الدينية التي تخدم المجتمع وتصون هويته الثقافية والروحية.





Share your opinion
مستقبل المادة الدينية في الإعلام المصري بين إرث الماضي وتحديات الراهن