Sun 01 Mar 2026 8:04 pm - Jerusalem Time

ترامب وإيران: الصدمة قبل الصفقة

 في خطوة غير مسبوقة على الساحة الإقليمية، أطلقت الولايات المتحدة بقيادة دونالد ترامب ضربات عسكرية واسعة ضد إيران، مستهدفة البنية النووية والصاروخية للنظام، وسط تأكيد مقتل المرشد علي خامنئي. هذه الحرب المحدودة لا تهدف إلى احتلال كامل أو إسقاط الدولة، بل إلى إعادة ترتيب ميزان القوى وخلق شروط تفاوضية صارمة من موقع قوة، مع الحفاظ على ماء وجه القيادة الإيرانية الجديدة، وترك المجال لإيران لتقديم الصفقة داخليًا باعتبارها حماية للبلاد. بينما تسعى إسرائيل إلى استغلال اللحظة لتدمير القدرات العسكرية والسيطرة على النظام، يركز ترامب على تحقيق أهداف استراتيجية محددة دون الانغماس في صراع طويل مستنزف، مستفيدًا من لحظة ضعف النظام وفرص التغيير الداخلي المحتملة لإعادة ضبط مسار إيران السياسي والعسكري.

يمكن قراءة التحرك الأميركي بقيادة دونالد ترامب ضد إيران كنوع من الحرب المحدودة التي لا تهدف إلى احتلال طويل أو إسقاط الدولة بالكامل، بل لإنتاج مفاوضات بشروط أميركية صارمة دون الانغماس في صراعات استنزافية طويلة. الهدف الاستراتيجي الظاهر هو خلق صدمة عسكرية تعيد ضبط ميزان الردع وتجبر طهران على العودة إلى الطاولة من موقع أضعف.

الضربات الواسعة على البنية النووية والصاروخية الإيرانية واستهداف القيادة العليا خلق لحظة مفصلية. ومع تأكيد مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي أصبح النظام الإيراني في طور إعادة ترتيب داخلي، وهي فرصة نادرة لاستثمار لحظة ضعف تفاوضي تاريخية. ترامب قد يرى في فقدان شرعية النظام بعد الضربات فرصة لتغيير القيادة لاحقًا بشكل غير مباشر، بما يتيح له تحقيق مصالحه الاستراتيجية دون الانغماس في حرب مفتوحة طويلة الأمد.

الاستراتيجية الأميركية تقوم على منطق "الصدمة ثم الصفقة"، حيث يقوم التصعيد الحاد بتغيير قواعد اللعبة وإظهار استعداد الولايات المتحدة لاستخدام قوة ساحقة، ثم يُفتح باب التفاوض بعد خلق واقع جديد. الهدف ليس العدوان لأجل العدوان، بل فرض شروط تفاوضية من موقع قوة. لهذا يحرص ترامب على الحفاظ على ماء وجه إيران حتى بعد فقدان قيادتها العليا وترك مساحة للقيادة الجديدة لتقديم أي اتفاق داخليًا بوصفه حماية للبلاد من الدمار الكامل دون فرض شروط إذلالية علنية.

هناك قراءة أميركية واسعة للواقع الإيراني تفترض أن التغيير ممكن داخليًا، وأن هناك مؤشرات وعناصر داخل إيران يمكن أن تدفع الدولة نحو تحول حقيقي. وفق هذا المنظور، يمكن لإيران أن تخرج من المشهد الشرق أوسطي كدولة مسالمة، تقلل من تدخلها الإقليمي وتضبط برامجها العسكرية والنووية. وهذه القراءة تتضح أيضًا من خطاب ترامب للشارع الإيراني، الذي يراعي تطلعات المواطنين أكثر من مشاريع الدولة الرسمية، وهو ما يسمح للولايات المتحدة بممارسة ضغط استراتيجي مع الحفاظ على إطار يضمن للقيادة الإيرانية الجديدة تقديم الاتفاق على أنه حماية للبلاد وليس استسلامًا كاملًا. وقد تشمل شروط التفاوض المحتملة إعادة صياغة سياسية، وتعزيز آليات محلية للحكم ضمن السياق الشرق أوسطي، وإبعاد دور المرشد عن الصورة العامة للقرار، مع مراعاة أن ترامب لن يطلب من إيران أن تصبح ديمقراطية بالمفهوم الغربي، بل وفق الآليات الممكنة ضمن التقاليد والخصوصية السياسية للمنطقة.

من المتوقع أن تشمل الصفقة أيضًا تفكيك أو رقابة صارمة طويلة الأمد على البرنامج النووي، وقيودًا على تطوير الصواريخ بعيدة المدى، والتزامات بعدم استهداف القواعد الأميركية أو الملاحة الدولية، مع تخفيف تدريجي للعقوبات مقابل الامتثال الكامل للشروط. بهذه الطريقة يمكن إعلان انتصار تاريخي لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي وإعادة فرض الردع دون الدخول في حرب استنزاف طويلة.

في المقابل، تنظر إسرائيل إلى هذه اللحظة باعتبارها فرصة لتدمير النظام بالكامل ومنع استعادته لأي قدرات عسكرية أو نووية والسيطرة على إيران سياسيًا وعسكريًا بشكل مباشر. بينما يرفض ترامب الانخراط في صراعات طويلة مستنزفة، يحصل على ما يريد من السيطرة على النتائج الاستراتيجية وضبط السلوك الإيراني، وتحقيق مكاسب سياسية وأمنية ملموسة دون الانجرار إلى صراع داخلي طويل.

رغم الدقة في الحسابات، تبقى المخاطر قائمة. فقد تغلب النزعة الانتقامية لدى القيادة الإيرانية الجديدة أو تتفجر الفوضى الداخلية، أو يحدث رد انتقامي عبر الوكلاء الإقليميين في لبنان أو العراق أو اليمن. كما قد يدفع الضغط الإسرائيلي إلى استمرار العمليات حتى إسقاط كامل للنظام، ما قد يُدخل المنطقة في صراع طويل غير محسوب. أي خطأ في التقدير قد يحوّل حربًا محدودة إلى صراع مفتوح متعدد الجبهات.

يمكن فهم التحرك الأميركي كدبلوماسية قسرية تستخدم القوة العسكرية لإجبار الخصم على قبول إطار تفاوضي جديد. النجاح لا يُقاس بعدد الأهداف المدمرة، بل بمدى قدرة واشنطن على فرض شروطها والحفاظ على استقرار الدولة الإيرانية، وتمكينها من إعلان الاتفاق داخليًا دون إذلال. بذلك تُضمن مكاسب استراتيجية كبرى دون الانزلاق إلى مستنقع طويل ومكلف.

الحرب الغريبة هذه، إذا نجحت، ستحوّل لحظة الصدمة ومقتل المرشد إلى صفقة استراتيجية تاريخية. وقد يرى ترامب أن الفرصة بعد فقدان شرعية النظام الإيراني تمثل لحظة ذهبية لإعادة ضبط القيادة والسيطرة على مسار إيران السياسي والعسكري، بما يشمل دور المرشد وخلق آليات سياسية أكثر اعتدالًا ضمن السياق الإقليمي. أما إذا أخفقت، فقد تتحول إلى مغامرة مكلفة تعيد المنطقة إلى دائرة عدم اليقين والخطر المفتوح.

يظهر بوضوح أن ترامب يسعى لتحقيق أهدافه الاستراتيجية دون الانجرار إلى حروب طويلة مستنزفة، ويركز على فرض الهيمنة السياسية على إيران، وإجبار النظام الجديد على قبول شروط أميركية صارمة دون إذلال الداخل الإيراني، بما يحافظ على استقرار المنطقة ويحقق مصالح واشنطن. بينما تسعى إسرائيل إلى استغلال اللحظة لضمان عدم قدرة إيران على استعادة قدراتها النووية والصاروخية والسيطرة على حلفائها الإقليميين، مما يخلق تباينًا في النهج بين الولايات المتحدة التي تركز على مفاوضات محدودة وشروط استراتيجية صارمة، وبين إسرائيل التي تهدف إلى تغيير النظام والسيطرة الكاملة على الدولة الإيرانية بما يحقق مصالحها الأمنية والاستراتيجية الإقليمية.

في النهاية، تبدو هذه الحرب أكثر من مجرد صراع عسكري، فهي أداة استراتيجية لإعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي، مع الاحتفاظ بخيارات التفاوض واستثمار مؤشرات التغيير الداخلي في إيران ومراعاة تطلعات الشارع الإيراني، دون الانغماس في صراع مفتوح طويل، مع ضمان مكاسب سياسية وأمنية واضحة للولايات المتحدة وحلفائها، وتحقيق أقصى استفادة من لحظة ضعف النظام الإيراني بعد الضربات.



Tags

Share your opinion

ترامب وإيران: الصدمة قبل الصفقة

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.