لا يمكن قراءة زيارة خليفة حفتر إلى باكستان بمعزل عن السياق الجيوسياسي الإقليمي المعقد، حيث تشير التحركات إلى أنها ليست مجرد توسيع لتحالفات حفتر الدولية. فباكستان لا تتحرك في الملفات العربية الحساسة دون تنسيق استراتيجي عميق مع المملكة العربية السعودية، مما يجعل الزيارة انعكاساً لإرادة الرياض في إعادة تموضعها داخل المشهد الليبي.
تأتي هذه الخطوة في وقت يشهد فيه التباين السعودي الإماراتي اتساعاً ملحوظاً في عدة ساحات، من اليمن إلى السودان وصولاً إلى شمال أفريقيا. وقد أدركت الرياض أن النفوذ الإماراتي في شرق ليبيا تجاوز حدود الشراكة التقليدية، ليتحول إلى منصة تهدد المصالح الحيوية السعودية، خاصة فيما يتعلق بملف البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
لقد شكل الدعم المقدم من شرق ليبيا لقوات الدعم السريع في السودان بقيادة حميدتي خطاً أحمر بالنسبة للقيادة السعودية. وترى مصادر مطلعة أن استمرار الفوضى في السودان يهدد أمن المملكة المباشر، مما دفعها للتحرك لكسر حلقات النفوذ التي نسجتها أبو ظبي حول المنطقة باستخدام أدوات محلية ومليشيات مسلحة.
الرياض التي آثرت سابقاً الابتعاد عن التعقيدات الليبية، بدأت مؤخراً مساراً واضحاً لاستعادة المبادرة عبر الانفتاح على الحكومة المعترف بها دولياً في طرابلس. هذا التحول يعكس رغبة سعودية في دعم منطق الدولة والاستقرار، ومواجهة مشاريع التفكيك التي طالت دولاً عربية عديدة في الآونة الأخيرة.
في هذا الإطار، يبرز الدور الباكستاني كبوابة سعودية غير مباشرة للتعامل مع ملف شرق ليبيا دون الانخراط في مواجهة عسكرية مكشوفة. زيارة قائد الجيش الباكستاني لبنغازي واستقبال حفتر في إسلام آباد يهدفان في جوهرهما إلى احتواء الرجل وسحبه تدريجياً من العباءة الإماراتية التي هيمنت على قراره لسنوات.
إن التحرك نحو حفتر عبر حليف تاريخي مثل باكستان يمثل محاولة لإيجاد موطئ قدم سعودي يضمن تحجيم الأدوار التخريبية في الإقليم. الرسالة الموجهة لأبو ظبي واضحة؛ وهي أن شرق ليبيا لم يعد ساحة حصرية لنفوذها، وأن إعادة الترتيب الإقليمي قد وصلت بالفعل إلى عمق مناطق نفوذ أدواتها.
تشير المعطيات الميدانية إلى أن الضغوط الإقليمية التي تقودها الرياض بدأت تؤتي ثمارها في تحجيم الدعم اللوجستي العابر للحدود. فقد كشفت تقارير عن تراجع دور منطقة الكفرة في إمداد قوات حميدتي، وهو قرار لم يكن ليصدر لولا وجود ضغوط سياسية وعسكرية مكثفة من أطراف إقليمية فاعلة.
الرسالة الحقيقية لزيارة باكستان ليست موجهة إلى طرابلس، بل إلى أبو ظبي، ومفادها أن قواعد اللعبة الإقليمية قد تغيرت.
كما أن استهداف القوافل العسكرية المتجهة نحو السودان وإغلاق الأجواء أمام طائرات الشحن العسكرية يمثل نهاية مرحلة التفويض المفتوح. هذه الإجراءات تؤكد أن السعودية قررت وضع خطوط فاصلة وحازمة لمنع استغلال الأراضي الليبية في إشعال صراعات تهدد أمن الطاقة والملاحة الدولية في المنطقة.
من يراقب السلوك السعودي المستجد يجد اتساقاً في دعم الحكومات المركزية ورفض مشاريع الانفصال، كما حدث في اليمن والصومال. فمن غير المنطقي أن تدافع الرياض عن وحدة السودان والصومال، بينما تسمح باستمرار مشروع تقسيم في ليبيا يخدم أجندات خارجية تتقاطع مع رؤى إقليمية أوسع.
زيارة حفتر لباكستان لا تعني بالضرورة دعماً لمستقبله السياسي، بل قد تكون جزءاً من ترتيبات مرحلة ما بعد حفتر وإدارة خروجه من المشهد. فالنماذج المشابهة له في المنطقة بدأت بالتراجع أو التفكك، مما يشير إلى أن زمن الأدوات التي تعتمد على سلطة الأمر الواقع يقترب من نهايته المحتومة.
المشهد القادم يتجه نحو إعادة بناء الشرعيات وتجفيف منابع الفوضى التي استنزفت موارد المنطقة لسنوات طويلة. السعودية تسعى اليوم لإغلاق المنصات التي استخدمت لإثارة القلاقل، وتعتبر أن استقرار ليبيا ووحدتها جزء لا يتجزأ من رؤيتها الشاملة للأمن القومي العربي بعيداً عن التدخلات المليشياوية.
إن التنسيق العسكري والاستخباراتي بين الرياض وإسلام آباد يوفر غطاءً مثالياً لتنفيذ هذه الاستراتيجية دون إثارة حساسيات دبلوماسية مباشرة. هذا النوع من الدبلوماسية غير المباشرة يمنح السعودية مرونة في المناورة وتغيير التوازنات على الأرض في شرق ليبيا، مع الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع كافة الأطراف.
في نهاية المطاف، تدرك القوى الإقليمية أن اللعبة قد تغيرت وأن موازين القوى لم تعد تميل لصالح المشاريع التي تتبنى الفوضى كأداة للنفوذ. زيارة باكستان هي حلقة في سلسلة طويلة من الإجراءات الهادفة لاستعادة التوازن في الملف الليبي، وضمان عدم تحوله إلى خنجر في خاصرة الأمن العربي.
يبقى التساؤل حول مدى استجابة حفتر لهذه الضغوط والرسائل، خاصة في ظل تزايد العزلة الدولية والإقليمية حول مشروعه. لكن الثابت أن التحرك السعودي الباكستاني المشترك قد وضع حداً للتفرد الإماراتي بالملف، وأسس لمرحلة جديدة من التعامل مع الأزمة الليبية وفق معطيات جيوسياسية مختلفة تماماً.





Share your opinion
زيارة حفتر لباكستان: رسائل سعودية غير مباشرة لإعادة رسم نفوذ شرق ليبيا