شهدت انتخابات مجلس النواب في مصر جدلاً واسعاً بعد تداول مقاطع مصورة على مواقع التواصل الاجتماعي، أظهرت ممارسات تتعلق بشراء أصوات انتخابية في عدد من الدوائر، في وقت أكدت فيه السلطات الرسمية التزامها بنزاهة العملية الانتخابية واتخاذ الإجراءات القانونية حيال أي مخالفات يتم رصدها. وأعادت هذه المقاطع فتح ملف 'المال السياسي' الذي يبرز عادة خلال الاستحقاقات الانتخابية، وسط مطالبات متكررة بتوسيع نطاق المساءلة وعدم الاكتفاء بملاحقة المنفذين المباشرين. وجاءت هذه التطورات بالتزامن مع بيانات رسمية صادرة عن وزارة الداخلية المصرية تحدثت عن ضبط وقائع شراء أصوات، وإلقاء القبض على عدد من الأشخاص المتورطين فيها، بينما أكدت الهيئة الوطنية للانتخابات من جانبها رصد مخالفات تعاملت معها الجهات الأمنية المختصة، مع التشديد على أن التحقيق القضائي في هذه الوقائع لا يندرج ضمن اختصاصها المباشر.
تتبعت مصادر إعلامية في تحقيق استقصائي وقائع شراء الأصوات الانتخابية التي أعلنت عنها وزارة الداخلية رسمياً، إلى جانب مقاطع فيديو جرى تداولها على نطاق واسع، توثق عمليات توزيع أموال على ناخبين مقابل التصويت لمرشحين بعينهم، كما ربط التقرير بين المقبوض عليهم وأسماء مرشحين ورد ذكرهم داخل هذه المقاطع. وأشار التحقيق إلى انتشار مقطع فيديو يظهر فيه شخص محاط بمواطنين يحملون بطاقاتهم القومية، بينما تُسمع أصوات تؤكد توزيع أموال، حيث أعلنت الداخلية ضبط الشخص واعترافه بالواقعة دون الإعلان عن إجراءات بحق المرشح المذكور.
وفي تعليق لمصادر حقوقية، قال رئيس المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة، ناصر أمين إن الحكومة 'اضطرت إلى القبض على بعض الأشخاص الذين يمكن تسميتهم بالسماسرة'، موضحاً أنهم يتولون استحضار المواطنين، وجمع بطاقاتهم الشخصية، ثم دفع مبالغ مالية لهم مقابل التصويت لصالح مرشح معين. وبحسب تتبع البيانات الرسمية، تم رصد عدد من وقائع شراء الأصوات المعلنة، مع محاولة تحليل العلاقة بين المقبوض عليهم والمرشحين الذين وردت أسماؤهم في المقاطع المتداولة.
وأضاف التقرير أنه خلال المرحلة الأولى من الانتخابات، لم تنشر وزارة الداخلية أي بيانات تشير إلى وجود مخالفات، غير أنه قبل نحو سبعة أيام من انطلاق المرحلة الثانية، أدلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بتصريحات غير معتادة علق فيها على وجود مخالفات أو وقائع تزوير. ومع بداية المرحلة الثانية، اختلف تعامل الوزارة مع هذه الوقائع، حيث نشرت 41 بياناً بشأن انتهاكات وقعت بالقرب من دوائر انتخابية في محافظات مختلفة.
الحكومة اضطرت إلى القبض على بعض الأشخاص الذين يمكن تسميتهم بالسماسرة، وهم يتولون استحضار المواطنين ودفع مبالغ مالية لهم مقابل التصويت.
وحلل التحقيق بيانات وزارة الداخلية، مركزاً على القضايا المتعلقة بتوزيع مبالغ مالية، والتي بلغ عددها 20 قضية، قبض خلالها على 37 شخصاً. وبعد ربط هذه القضايا بالنتائج النهائية، تبقى تسع قضايا تركزت ست منها في دائرتين فقط: دائرة أول السلام شرق القاهرة، ودائرة منوف بمحافظة المنوفية، حيث تنافس 22 مرشحاً على مقعدين، من بينهم مستقلون ومنتمون لأحزاب.
وكشف التقرير أنه منذ بداية فترات الدعاية في منوف، حذر مرشحون من انتشار 'المال السياسي'. وأظهر تتبع أحد المقاطع في منوف القبض على شخص تبين لاحقاً إخلاء سبيله بكفالة 15 ألف جنيه دفعها محامٍ بتكليف من جهة خارجية. وفي النهاية، فاز المرشح سليمان خليل، عن حزب 'مستقبل وطن'، وهو الاسم الذي ورد ذكره في الفيديو، وحاولت المصادر التواصل معه للحصول على تعليق دون رد.
من جهتها، أقرت الهيئة الوطنية للانتخابات بوجود وقائع شراء أصوات تعاملت معها الداخلية، لكنها شددت على عدم اختصاصها بالتحقيق. وتابع التقرير أن التدقيق في فيديوهات أخرى أظهر توجيهاً للناخبين لصالح مرشحين فازوا لاحقاً بمقاعد دوائرهم، مثل محمد نور محمد نصري ومحمد الحداد.
وتواصلت المصادر مع النائب محمد الحداد، الذي شدد على عدم معرفته بالشخص المقبوض عليه، مشيراً إلى وجود أشخاص 'يحبون المجاملة' دون تنسيق مسبق، في المقابل، رفض النائب محمد العسيوطي الرد على الأسئلة. وأظهر تتبع منشورات الشخص المقبوض عليه وجود صور تجمعه بالنائبين قبل الانتخابات، وهو ما اعتبره الحداد لا يمثل دليلاً على علاقة تنظيمية، بل مجرد صور مع أهالي الدائرة.





Share your opinion
تحقيق يتتبع مسار المال السياسي في الانتخابات المصرية ويوثق شراء الأصوات