Sun 21 Dec 2025 9:38 am - Jerusalem Time

تشيلي بعد اليسار: تداعيات فوز اليمين الراديكالي على السياسة الخارجية تجاه فلسطين

رائد محمد الدبعي

كما كان متوقّعًا، فاز خوسيه كاست، مرشّح اليمين الراديكالي المتطرّف، في الانتخابات الرئاسية التشيلية، بعد تفوّقه على جانيت جارا، مرشّحة اليسار والحزب الشيوعي. وجاء هذا الفوز نتيجة التفاف اليمين التشيلي حول كاست في الجولة الثانية، عقب تقدّم جارا في الجولة الأولى، ضمن انتخابات طغت عليها القضايا الداخلية، وفي مقدّمتها الأمن العام، والجريمة المنظّمة، والهجرة غير النظامية، وتدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة.
كما شكّلت ارتدادات تجربة الرئيس اليساري غابرييل بوريك خلال الأعوام الأربعة الماضية عاملًا حاسمًا في توجّه الناخبين. فعلى الرغم من أنّ تلك التجربة اتّسمت بتعزيز الحريات العامة وحقوق الإنسان، وتبنّي سياسات اجتماعية تقدّمية، وتحقيق قدر من الاستقرار المؤسسي، وطرح خطاب سياسي تجديدي، إلّا أنّها واجهت تحدّيات ملموسة، أبرزها تدهور الوضع الأمني، وتباطؤ الأداء الاقتصادي، والانقسامات داخل الائتلاف الحاكم، فضلًا عن فشل محاولتَي صياغة دستور جديد. وقد أدّى ذلك إلى تحوّل المزاج العام من المطالبة بـ " التغيير البنيوي" إلى البحث عن " الاستقرار".
ومن منظور أنصار كاست، فإن هذا التحوّل لا يعكس رفضًا للديمقراطية أو الحقوق، بقدر ما يُعبّر عن حاجة المجتمع إلى الحسم الأمني واستعادة الثقة بالاقتصاد. غير أنّ هذا التفسير، وإن كان مفهومًا في سياقه الداخلي، لا يُلغي التداعيات السياسية والأخلاقية الأوسع لفوز اليمين الراديكالي، لا سيّما على السياسة الخارجية.
فلسطين خارج الحملة... لا خارج النتائج
رغم أنّ القضايا الدولية عمومًا، والقضية الفلسطينية على وجه الخصوص، بقيت على هامش الحملة الانتخابية، نتيجة هيمنة الأولويات الداخلية على النقاش العام، فإنّ تداعيات نتائج الانتخابات على فلسطين لن تكون هامشية. ويمكن تفسير ذلك عبر ثلاثة أسباب رئيسية.
أوّلها، خسارة فلسطين لمواقف أخلاقية وتقدّمية تبنّاها الرئيس السابق غابرييل بوريك، الذي اعتمد خطابًا حقوقيًّا واضحًا يستند إلى القانون الدولي. فقد وصف ما تقوم به إسرائيل في قطاع غزة بأنّه انتهاك جسيم للقانون الدولي الإنساني وعقاب جماعي، مؤكّدًا أنّ أمن إسرائيل لا يمكن أن يُستخدم ذريعة لتبرير قتل المدنيين الفلسطينيين، ومشدّدًا على مبدأ عدم التناسب في استخدام القوّة.
وعلى المستوى العملي، رفض بوريك عام 2022 استقبال أوراق اعتماد السفير الإسرائيلي احتجاجًا على مقتل أطفال فلسطينيين في غزة، في خطوة دبلوماسية عكست تحوّلًا نوعيًا في سياسة تشيلي تجاه إسرائيل. كما اتّخذ، عقب حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، قرارًا بسحب السفير التشيلي من تل أبيب للتشاور في أكتوبر 2023، في موقف استثنائي لم تُقدم عليه بعض الدول التي ترتبط بعلاقات رسمية أو تطبيعية مع إسرائيل. كذلك دعمت حكومته مسارات المساءلة الدولية، بما في ذلك التحقيقات أمام المحكمة الجنائية الدولية والدعاوى المقدّمة أمام محكمة العدل الدولية.
رئيس جديد... ونهج معاكس
السبب الثاني يرتبط بطبيعة الرئيس الجديد نفسه. فخوسيه كاست يُعدّ أحد أبرز رموز اليمين الشعبوي الراديكالي في تشيلي. وإلى جانب مواقفه النيوليبرالية المتشدّدة في المجال الاقتصادي، بصفته ابنًا لأحد رموز "أولاد شيكاغو" الذين صاغوا السياسات الاقتصادية خلال حكم أوغستو بينوشيه، يُمثّل كاست امتدادًا لتيار يميني عالمي يقوم على الشعبوية القومية، ويجد نماذجه في الولايات المتحدة وأوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية.
يتبنّى كاست مقاربات «ترامبية» في قضايا الأمن والهجرة، ويعتمد خطابًا يقوم على التخويف ومهاجمة الإعلام، فضلًا عن دفاعه الصريح عن حقبة بينوشيه. وفيما يتعلّق بالقضية الفلسطينية، لا يُخفي كاست انحيازه الكامل لإسرائيل، ودفاعه عمّا يصفه بـ«حقّها غير المشروط في الدفاع عن نفسها»، ورفضه لأي توصيف قانوني لانتهاكاتها بوصفها جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية. كما هاجم قرارات بوريك المتعلّقة بسحب السفير التشيلي من إسرائيل، معتبرًا إيّاها «خطأً أيديولوجيًا يضرّ بالمصالح القومية لتشيلي.
 
تحوّل يتجاوز تشيلي
أمّا السبب الثالث، فيتجاوز الإطار الوطني ليطال المشهد الإقليمي في أمريكا الجنوبية. إذ يأتي هذا التحوّل في تشيلي ضمن سياق أفول مرحلة "الموجة الوردية" التي ميّزت القارّة منذ مطلع الألفية وحتى عام 2016. ففي ظلّ صعود اليمين الشعبوي في دول مثل الأرجنتين وبوليفيا وأوروغواي والإكوادور، ويُضاف إليها اليوم تشيلي، تتشكّل كتلة سياسية إقليمية تميل إلى تغليب المصلحة القومية الضيّقة على حساب القانون الدولي وحقوق الإنسان، بما في ذلك حقّ الشعوب في تقرير مصيرها.
ماذا على الفلسطينيين أن يفعلوا؟
ختامًا، يفرض هذا الواقع الجديد على المؤسّسة الرسمية الفلسطينية، إلى جانب مؤسّسات المجتمع المدني والمنظّمات الأهلية، قراءة التحوّلات السياسية في تشيلي بواقعية وهدوء، والعمل على بلورة استراتيجية متعدّدة المستويات للتعامل معها. ويشمل ذلك الاستثمار في واحدة من أكبر الجاليات الفلسطينية خارج الوطن العربي، وتعزيز أدوات الدبلوماسية الشعبية والعامة، والبناء على المناخ الشعبي المتعاطف تاريخيًا مع فلسطين داخل المجتمع التشيلي.
قد لا تكون هذه المهمّة سهلة في ظلّ التحوّل السياسي القائم، لكنها تبقى ممكنة، إذا ما أُحسن توظيف الأدوات المتاحة، للحفاظ على مكانة فلسطين في بلد شكّل، منذ عودة الديمقراطية عام 1990، أحد الداعمين الأساسيين لحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة.

Tags

Share your opinion

تشيلي بعد اليسار: تداعيات فوز اليمين الراديكالي على السياسة الخارجية تجاه فلسطين

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.