في مقابلة مع برنامج "ستون دقيقة 60 Minutes " على شبكة سي.لاي.إس نيوز يوم الأحد 2 تشرين الثاني 2025، عبّر الرئيس دونالد ترمب عن اعتقاده بأن وقف إطلاق النار بين قطاع غزة وحركة حماس "ليس هشاً، بل قويٌ جداً". وأشار إلى أن "حماس يمكن تحييدها فوراً إذا لم تلتزم بما يتطلبه الأمر"، مؤكّداً أن واشنطن ستكون طرفاً فاعلاً في تثبيت هذا الهدوء.
غير أنّ الواقع الميداني يخالف هذه التصريحات إلى حدّ كبير، إذ تُظهر الخريطة الجديدة للقطاع ومسارات التطوّر أن ما يُروَّج له بـ"سلام" قد لا يكون أكثر من إطار لسيطرة معادٍّ للسلام الحقيقيّ.
غزة بين هدنة ظاهرية وخطة طويلة الأمد للهيمنة
منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، تُروِّج إدارة الرئيس ترمب للهدنة باعتبارها بدايةً جديدة في قطاع غزة. لكنّ ما يشهده الواقع على الأرض يروي حكاية مغايرة: تقسيم جغرافي، تراجع مساعدات، استمرار القصف، وإعادة تشكيلٍ لمنطقة تجعل السيطرة الإسرائيلية معياراً مستداماً، لا مجرد مرحلة انتقالية.
التقسيم الجغرافي: "الخط الأصفر"
لقد برز ما يُعرف بـ "الخط الأصفر" كآلية لتقسيم القطاع إلى منطقتين: غرب غزة: نحو 42% من المساحة، ويبلغ عدد سكانها أكثر من مليوني شخص، وتبقى تحت إدارة حركة حماس. وشرق غزة: نحو 58% من المساحة، تمّ إلغاء وجود المدنيين فيها تقريباً، وتخضع مباشرةً لسيطرة القوات الإسرائيلية وميليشيات محلية تابعة لها.
وكان من المفترض أن يكون هذا التقسيم "مرحلياً" في خطة الانسحاب التدريجي، مع دخول قوة دولية أو آلية "استقرار" في مرحلة لاحقة. لكنّ التحركات الإسرائيلية – من وضع الحواجز الخرسانية، الحفريات، التحصينات، إلى توسّع النفوذ غرباً – تؤشّر إلى أن ما يُعدّ مؤقتاً يُعَدّ خطة دائمة.
غرب غزة: هدنة منقوصة وحياة تحت النار
رغم أن الخطاب الرسمي يُعلن أن "البنادق صامتة"، فإنّ الحقائق تفيد بأن المدنيين في غرب غزة يعيشون تهديداً يومياً: غارات جوية، طائرات مسيّرة، إطلاق رشّاشات، كلّ ذلك بحجّة "منع هجوم وشيك" أو "ردّ على إطلاق نار". وأسفرت هذه العمليات عن مقتل أكثر من 200 فلسطيني، من بينهم عشرات الأطفال.
في الوقت نفسه، تُقيَّد المساعدات الإنسانية: دخلت نحو 95 شاحنة يومياً في أول 20 يوماً من الهدنة، مقابل 600 شاحنة متفق عليها. وتُمنع الخيم، الوحدات السكنية الجاهزة، والمستلزمات الشتوية الأخرى.
هذا الواقع يُشير إلى أن الهدنة ليست إلا إفرازاً لسياسة تقييدية أكثر منها إعادة بناء أو استقراراً حقيقياً.
شرق غزة: الأرض التي تحولت إلى قفص سيطرة
لقد كانت شرق غزة تُشكّل سابقاً ما يُشبه "سلة غذاء القطاع" بحسب الخبراء، إلا أنها تحوّلت الآن إلى منطقة شبه خالية من السكان المدنيين، تُدَمَّر فيها المباني، وتُمنع فيها العودة، وتُمنَح ميليشيات محلية دعمًا من إسرائيل: أسلحة، أموال، حماية.
كما أعلنت إسرائيل أنها لا تنوي مغادرة شرق غزة في أي وقت قريب، بل تعمل على ترسيخ السيطرة وتوسيع النفوذ غرباً، إذ يُصرّ وزير الدفاع الإسرائيلي على إطلاق النار على من يقترب من "الخط الأصفر" حتى لو كان يحاول العودة إلى بيته.
إعادة الإعمار الانتقائية و"رفح الجديدة"
لقد أُعلن أن إعادة الإعمار ستقتصر على المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل بالكامل، بينما سيبقى الجزء الآخر من القطاع "ركاماً" حتى يطلق حماس سلاحها بشكل كامل.
وتُخطّط إسرائيل لمشروع تحت اسم "رفح الجديدة"، في الجزء الجنوبي قرب الحدود مع مصر، ليكون نموذجاً لما يُسمّونه غزة "معتدلة" تحت الوصاية الإسرائيلية. لكنّ المشروع في شكله الراهن يظهر كمنطقة مغلقة: فلن يُسمَح بالعبور بحرّية، وسيكون خاضعاً لإجراءات أمنية وفحص قد يُفضي إلى ابتزاز أو تعاون مشروط.
بهذا، تتحول الهدنة إلى إعادة بناء مقنّنة لتوطين فلسطينيّ محدد في قطاع محكوم بشروط خارجية.
حماس: السلطة والتحدّي والشرعية
في غرب غزة، يقول المراقبون، أن حركة حماس تحاول استعادة السيطرة الأمنية والاجتماعية عبر حملات ضد الميليشيات المحلية وعشائر التعاون، وأقدمت على إعدامات علنيّة لعدد من المتعاونين، في محاولة لإعادة بناء ما فقدته من شرعية خلال سنوات الحرب.
لكن في الوقت ذاته، تُستخدم هذه الإجراءات لاتهامها بأنها مذنبة بقتل المدنيين والتواطؤ، ما يُقدّم لإسرائيل ذريعة أمنية لتبرير استمرار السيطرة والضغط.
سلامٌ مصطنع من أجل سيطرة دائمة
ما يحدث في غزة اليوم ليس مشروع إعادة بناء لما بعد الحرب، بل مشروع هندسة لاستسلام: تقسيم جغرافي، حصار اقتصادي، تهديد أمني مستمر. الهدف ليس حماية الفلسطينيين بل ضمان بقاء إسرائيل في موقع السيطرة، وتقويض إمكانية قيام كيان فلسطيني مستقل.
الهدنة التي أعلنها ترمب بأنها "قوية جداً" تعكس حاجة سياسية أميركية – إسرائيلية لظهور أمام العالم بأن الأمور تسير نحو الاستقرار، بينما الواقع قد يدفع نحو ترسيخ حالة من العزلة والانقسام والفقر.
في نهاية المطاف، يبدو أن غزة تُعد لنوع من "السلام المقنّن": سلام لا يُخضع الاحتلال، بل يُخضع الفلسطينيين؛ لا يعيد البناء، بل يعيد التكوين تحت مراقبة





Share your opinion
ترمب والهدنة القوية: حين يصبح السلام غطاء لإعادة رسم غزة