Wed 27 Aug 2025 8:39 am - Jerusalem Time

غزة.. حين يصبح الخبر دمًا

بهاء رحال

الآن غزّة بتوقيت الألم وأنّات الفقد والموت الزاحف من كلّ الجهات، برًّا وبحرًا وجوًّا. لم تعد الصورة مرآةً تنقل الحدث وأهوال ما يجري، بل صارت الخبر الذي نشاهده بالصوت والصورة في عمى عين العالم، ومحاولات إسكات صوت الحقيقة، عبر الاغتيال المنظم والاستهداف العمد.

الآن غزّة بمواعيد الموت ومواقيت الاغتيال، تمسح غبار القصف عن وجوه الميتين، وتزن الأشلاء في أكياس من البلاستيك، وتدفن الموتى في مقابر جماعية. تتفقد الأعضاء الناقصة في محاولة اكتمال الجثث المحترقة، تبحث عن بقايا أجساد ناقصة، تطايرت في لحظة القصف. ويسأل أحدهم في غرابة المشهد، كيف يعود الجسد الناقص سالمًا إلى التراب؟

الآن غزّة، يموت الصحفي والمسعف والممرض والطبيب دفعة واحدة، وفي لحظة يصبح الاستهداف مشهدًا عابرًا لحدود التوقع، مباشرًا بالصورة الحية وكأن ما يحدث في غرابة الخيال وأبعد، غير قابل للتأويل، مع استمرار الإبادة بفصولها المرعبة، وعذاباتها المتواصلة.

الآن غزة، في زمن صمت الإنسانية وهشاشة الضمير العالمي، وعدمية المواثيق الدولية والقرارات الأممية، تعيش تحت الإبادة والمجاعة والنزوح والعراء والقهر والتعذيب والقصف والقتل، بينما يتحضر الأعداء لشن أكبر وأوسع هجوم بري عليها، بأرتال من الجنود والمدرعات والدبابات، وبأطنان فوق الأطنان التي سقطت عليها من البارود والنار طيلة أشهر الإبادة، فلم يكتف الأعداء من أشهر الحرب التي مضت، لهذا يصرّون على المضي بجرائمهم، ويتخذون بين الفينة والأخرى خطة جديدة، بمسميات جديدة، لقتل المزيد من الأرواح البريئة، وتحقيق هدفهم بتهجير الناس ودفعهم للنزوح خلف الحدود.

الآن غزّة، صورة مثقلة بكل ملامح الوجع والقهر والعزلة المفروضة عليها، فلا شقيق ولا صديق، حتى اليوم، كسر عنها هذا الحصار الظالم، وأوقف آلة الحرب الإجرامية التي تواصل ارتكاب أبشع الجرائم، وهي تستمر في همجيتها ودمويتها بحق البشر والشجر والحجر. وحدها غزّة تعيش الموت كل لحظة، ووحدها تواجه مصائرها وتدفن الموتى بطقس الحزن الصامت.

الآن غزة، كلُّ ما فيها هدفٌ لطائرات الاغتيال، والصورة الحية المباشرة ترصد نبأ اغتيالها بدقةٍ متناهية، والمشهد عابرٌ لكل الحدود؛ إذ تجد الضحية نفسها بين لحظةٍ تنقل فيها الخبر، ولحظةٍ تكون هي الخبر، هكذا يستمر المشهد بكل دمويته ورعبه، في انتظار أن يصحو ضمير العالم.


Tags

Share your opinion

غزة.. حين يصبح الخبر دمًا

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.