برحيل القائد الوطني عبد الجواد صالح، تعود إلى الذاكرة تجربة وحدوية فريدة تركت أثراً عميقاً في مسيرة شعبنا، كان له وللعديد من الوطنيين المخلصين دور في تأسيسها قبل أن يشن الاحتلال حملات الأعتقال والإبعاد، وحتى محاولات الاغتيال لعدد من قيادتها وأعداد من كادرها. إنها تجربة الجبهة الوطنية وتبعاتها في خضم سنوات السبعينيات والثمانينيات القاسية التي نشأت تحت وطأة بشاعة الاحتلال. لقد وُلدت فكرة الجبهة الوطنية الفلسطينية عام ١٩٧٣ داخل الأرض المحتلة. لم تكن مجرد إطار تنظيمي عابر، بل كانت عنواناً سياسياً كفاحياً موحداً لشعبنا في الداخل، وذراعاً فاعلاً يعبر عن حضور منظمة التحرير الفلسطينية على أرض الوطن. لقد وحّدت هذه الجبهة صفوف الوطنيين الفلسطينيين من مختلف التيارات السياسية والفكرية، ووفرت أداة للتنظيم الشعبي المقاوم، مكّنت شعبنا من إسماع صوته السياسي وإفشال محاولات الأحتلال خلق بدائل عميلة أو روابط قروية هزيلة أو تمرير مشروع الإدارة المدنية في حينه.
لقد قادت الجبهة الوطنية نشاطاً سياسياً جماهيرياً مميزاً، التي مثّلت أول تعبير جماعي مباشر من الداخل عن الألتفاف حول منظمة التحرير الفلسطينية وبرناجها السياسي. هذا النشاط الشعبي المتجذر في الأرض المحتلة، كان السبب الرئيسي الذي دفع قمة الرباط عام ١٩٧٤ للأعتراف بمنظمة التحرير ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني. كما كان له الأثر البالغ في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة منح منظمة التحرير مكانتها الدولية، وهو ما تجسد في كلمة الزعيم الراحل ياسر عرفات الشهيرة من على منبر الأمم المتحدة في العام نفسه.
ولم يقف تأثير الجبهة الوطنية عند البعد العربي والدولي، بل انعكس مباشرة على المشهد الداخلي الفلسطيني، حيث شكّلت قاعدة صلبة للعمل السياسي الوطني وحتى العسكري في فترة من نشأتها بالتكامل مع عمل قطاعات ثورتنا بالشتات وصمودها في وجه محاولات عدة لاستئصالها.
يكفي أن نُذكّر أن الكتل الوطنية التي انبثقت عن هذه الجبهة تمكنت من تحقيق فوز كاسح في انتخابات المجالس البلدية عام ١٩٧٦، في مواجهة مرشحي دُمى الأحتلال وأدوات روابط القرى . بذلك أسقطت التجربة الشعبية الوطنية الموحدة مشروع "روابط القرى" ومختلف محاولات الاحتلال لصناعة قيادة بديلة عن منظمة التحرير.
اليوم، ونحن في عام ٢٠٢٥، تبدو هذه التجربة التاريخية أكثر إلهاماً من أي وقت مضى. فالوضع الفلسطيني الراهن يتسم بتشرذم داخلي خطير، وانقسامات سياسية وحتى تنظيمية أعاقت قدرة شعبنا على بناء استراتيجية وطنية تحررية جامعة، وفتح المجال واسعاً أمام الأحتلال ليعمق استعماره الأستيطاني ويواصل جرائمه من إبادة وتطهير عرقي وتهجير في محاولاته تنفيذ مشروعه في التوسع نحو إقامة مشروع "إسرائيل الكبرى".
في المقابل، يتطلع شعبنا إلى أفق جديد يعيد له وحدته الداخلية ويمنحه أدوات كفاحية وسياسية قادرة على فرض الحضور الفلسطيني على الساحتين الإقليمية والدولية، كما حدث في تلك الفترة من سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي حينما تشكلت أيضاً لجنة التوجيه الوطني ومن ثم القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة الكبرى.
إن الدرس الأبرز من تجربة الجبهة الوطنية هو أن قوة الشرعية الفلسطينية لا تُصنع بقرارات فوقية أو تفاهمات خارجية، بل تُبنى من الأرض، من خلال تجميع إرادة الشعب وصوته في أطر موحدة تعكس وحدة الكفاح وتُسقط محاولات الأحتلال للتفريق والاختراق. وهذا بالضبط ما نحتاجه اليوم؛ العودة إلى صيغة وطنية جامعة تعيد بناء الثقة بالبيت الداخلي.
وعلى ضوء ذلك، فإن الطريق الواقعي والمطلوب اليوم يتمثل في الذهاب نحو انتخاب برلمان دولة فلسطين بديلاً عن المجلس التشريعي الذي أفرزته اتفاقيات أوسلو، باعتباره الأداة الدستورية والتشريعية والرقابية التي توحد الإرادة الشعبية وتعيد بناء الشرعية الوطنية على أساس ديمقراطي جامع وتكرس مبدأ ان الشعب هو مصدر السلطات. فكما أن الجبهة الوطنية بصيغتَيها الشعبية والسياسية أمنت الشرعية لمنظمة التحرير في السبعينيات وكذلك القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة، فإن برلمان دولة فلسطين يمكن أن يشكل اليوم العنوان الشرعي لوحدانية تمثيل منظمة التحرير ومحرك استنهاضها الذي يفرض حضور الدولة الفلسطينية حتى تحت الاحتلال في الساحة الدولية، ويجعل من الاعترافات بها مسألة ذات جدوى تتطلب إنهاء احتلال أراضيها أولاً، ويُفشل في الوقت ذاته مشاريع الاحتلال الرامية لتصفية قضيتنا أو فرض بدائل مشوهة تدفع إلى فكرة التعايش مع الاحتلال تحت حجج ومبررات واهية غير ذات جوهر وطني تحرري.
إن إعادة الاعتبار لهذا الخيار تعني إعادة وصل الداخل بالشتات، وتوحيد كل الطاقات في إطار سياسي جامع، يمهد لإعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير على أسس ديمقراطية وكفاحية باعتبارها عنوان التحرر الوطني، ويشكل قاعدة صلبة لبرنامج مقاومة وطنية شاملة ضد الاحتلال والاستيطان. فالتاريخ يقول لنا بوضوح، حين توحد شعبنا في إطار سياسي كفاحي جامع، استطاع أن يغير موازين القوى ويكسر محاولات الإلغاء والتصفية. واليوم، ليست هناك حاجة إلى اختراع العجلة من جديد، بل إلى استلهام تجربة الجبهة الوطنية الفلسطينية والقيادة الوطنية الموحدة للأنتفاضة التي كرست شرعية الكفاح الشعبي ومصداقيته أمام العالم، كما هو واقع اليوم من اتساع التضامن الدولي الشعبي، وتحديثها بما يلائم ظروف شعبنا وتحدياته الراهنة.
إن شعبنا الذي صنع في فترات ما قبل اتفاقيات أوسلو وملحقاتها، التي يتنكر الاحتلال لها اليوم، إنجازات تاريخية بوحدته ونضاله الشعبي الواسع، قادر اليوم أيضاً على أن يفرض معادلة جديدة عبر صناديق الاقتراع لبرلمان دولته حتى تحت الاحتلال كشكل من المقاومة وتجسيد الصمود، ليقول للعالم: نحن هنا باقون، موحدون، نملك قرارنا المستقل، ونرسم مستقبلنا. وهذه هي الخطوة الأولى على طريق الحرية والاستقلال الوطني، حتى يكون بعدها الحديث حول مبدأ حل الدولتين ذا معنى يتفق مع جوهر معادلته دون إجحاف بحقوق شعبنا السياسية والقانونية غير القابلة للتصرف





Share your opinion
الجبهة الوطنية.. دروس الماضي ورهانات الحاضر