Sat 12 Jul 2025 4:12 pm - Jerusalem Time

ليست هي مرثية... حين تهمس الريح إلى محمود أسعد

بهاء رحال

 خدعَنا الموتُ كثيرًا، ولا يزالُ يخدعُنا، وكيف لا! وهو الخبيرُ في فنِّ التحايلِ، بمهارةٍ احترفتها يدٌ تأتي خِلسةً لتخطفَ في ذروةِ الوقتِ نفسًا، وتسرقُها من بيننا فجأةً إلى الأبد. قلتُ لمحمود يومًا: ماذا يكونُ الموتُ؟ فقالَ: يا صاحبي، رحلةُ اكتشافٍ لما وراءَ الغيبِ، هي رحلةٌ أخرى فوقَ الريحِ، حينَ تحملُنا الريحُ وتدفعنا، نطيرُ، نحلّقُ في البعيدِ، نركبُ حصانَ الأبديةِ بفروسيةِ المُشتهى، ندخلُ إلى زمانِنا الآتي من قدريّةِ المؤقت، فتفتحُ لنا الأبديّةُ أبوابَها، نعودُ نحنُ الذين حملنا الريحَ لتحملنا الريحُ ثانية وتسافرُ بنا. لا نبكي ولا نضحكُ، بل ندربُ الريحَ لتُطيعَ صهيلَ الحصانِ وهواهُ، وعلى قدرِ عزمِ الرجالِ تتّسعُ السماءُ، والسماءُ أختُ الأرضِ، والأرضُ لغةٌ، في مجازِها غموضُ الموتِ والهُويّةِ، والحصانُ لفارسهِ يصهلُ في ليلهِ المشتاقِ، حنينًا للقاءِ الأمِّ في مكانهما الموعودِ ليكتمل المشهد بابتسامة القدر عند محطة الغياب. تهمس لك الريح هي بانتظارك مرة أخرى، يتوقف الزمن ويواصل القلب طريقه في الإنشاد. هِيَ الحَياةُ ضَحْكَةٌ عَلَى خَدِّ أَيَّامِنا، وَهُوَ الغِيابُ دَمْعَةٌ عَلَى شِفَاهِ الأَبَدِ. وليس في الأمرِ مجازفةٌ ولا غموضٌ، بل اختلافُ صورةِ التلاقي، كموعدٍ مؤجّلٍ أتى لموعدٍ معجّلٍ. إذن، لنذهبَ هناكَ، إلى غدِنا المنتظرِ، واثقينَ وباسمينَ. ضحْكةٌ أُخرى بينَنا، تقطعُها مُمَرِّضةٌ فُضوليّةٌ تدخلُ فجأةً من دونِ استئذانٍ، فتطردُ رتابةَ اللُّغةِ وانسيابَها المُتدفِّقِ في شِريانِ الحياةِ. ثم سكتنا شوطًا في براءة اللحظة، وعفوية الدهشة، وطال الصمت حتى قلتُ: وهل هذا كلُّ شيءٍ؟ فقالَ: ربما... ثمَّ بعدَ هُنيْهَةٍ، استدارَ نحوَ النافذةِ التي تُطلُّ على مرتفعاتِ القدسِ، لعلَّ في الأمرِ احتمالٌ آخرُ، كان يراهنُ على نظرتهِ الواثقةِ، بحسِّ الخبيرِ وصدقِ العاطفةِ التي امتدت إلى جهة الغروب. فتساءلتُ؛ هل تراهُ رأى بيتَ محسير، عند حافةِ التلِّ البعيدِ؟ وهل مرّتْ من أمامهُ صورتُها كغزالةٍ ترقص في الريحِ؟ دعتهُ ليركبَ الريحَ؛ فتبعها، تلكَ قريتهُ التي هُجّرَ منها، فحفظَ صورتَها الأولى، بينَ الشجيراتِ والبئرِ القديمِ تقفُ البلاد شامخةً تطلُّ على كلِّ ذكرى. ثم قال: كانت الأم تصنع خبزنا، وظلَّ صوتها يغني للبلاد نشيد العائدين. لكن الوقت لم يبدل صورته، بقينا في شتات أقدارنا لاجئين، نخبئ فينا شوقنا للبلاد ونحرس العودة فكرة ومعنى. ثم جاءَ نهار آخر بدتْ فيهِ السَّماء أكثر زرقةً، والوقتُ عندَ الظهيرةِ من يومِ السبتِ الموافقِ لكلِّ شيءٍ، إلا لضحكةٍ ولو عابرةٍ، واللحظةُ انتكاس مفاجئ في الزمنِ اللاإراديِّ، فلا إيقاعَ للوقتِ يضبطُ الحزنَ بميقاتِ الانتظار. 

سريعًا يقف الزمان مرتديًا ثوب الحداد، وقريبًا من البلاد تحط الذكريات في حضرة الغياب، وتزهر في عين العائد إلى الأبدية حدائق الأقحوان، ويفوح عطر المريمية، وتتجلى رفِعة الأقدار، وتكون المسيرة سيرة في تجلياتها إبداع حضور صاحبها وتفانيه، فارسًا ترجل باقتدار، متممًا وميتمًا ومتيمًا في زهو الأبد.

 

Tags

Share your opinion

ليست هي مرثية... حين تهمس الريح إلى محمود أسعد

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.