Tue 08 Jul 2025 8:24 pm - Jerusalem Time

من خطة مناحيم ميلسون الى خطة مردخاي كيدار

راسم عبيدات

لا ينفك الاحتلال وذهنية قياداته العسكرية والأمنية والسياسية والأكاديمية الغارقة في العنصرية والتطرف عن طرح مشاريع ومخططات تصفوية إحلالية اقتلاعية، تستهدف اسدال الستار على القضية الفلسطينية، تفكيكها وتصفيتها من كافة جوانبها، في سياسة إحلالية اقتلاعية، لا تؤمن بوجود الشعب الفلسطيني، وبأن له حقوق وطنية سياسية، بل التصريحات والخرائط  والمعلومات التي نشرت، تقول بأن اسرائيل، تريد ان تلغي وجود الشعب الفلسطيني وكل تجليات هذا الوجود، ولذلك نشهد حربا شاملة تشن على الشعب الفلسطيني، لا تقتصر فقط على ما يجري في القطاع والضفة الغربية والقدس، بل وحتى في الداخل الفلسطيني - 48 - من "هندستين" جغرافية وديمغرافية، سياسات الطرد والتهجير القسري والتطهير العرقي، او ما يسميه سموتريتش بالهجرة الطوعية، عبر الحصار والتجويع، وهو من قال إنه لا يوجد شيء اسمه شعب فلسطيني وهذا اختراع عمره اقل من مئة عام، وكذلك رئيس وزراء الاحتلال نتنياهو في الدورتين 78 و79 للجمعية العامة للأمم المتحدة، عرض خرائط لدولة الاحتلال، تشمل فلسطين التاريخية واجزاء من الأردن وسوريا ولبنان والعراق وحتى اجزاء من مصر والسعودية، وهذه الخرائط والمعلومات نشرت على موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية باللغة العربية.

يبدو انه في ظل التماهي والتناغم، ما بين اليمين التلمودي التوارتي الصهيوني المتطرف مع اليمين الأنجليكاني المسيحاي الأمريكي المتطرف، وجد قادة دولة الاحتلال أن هناك فرصة تاريخية لن تتكرر لفرض مشاريعهم الإقصائية والتهجيرية، وفرض السيطرة والسيادة الكاملة على الضفة الغربية، فالرئيس الأمريكي ترامب قال "إن اسرائيل دولة صغيرة  على الخارطة ويجب ان تتوسع جغرافياً، واليمين الصهيوني المتطرف القومي والديني، يعمل بلا كلل على ضم وتهويد الضفة الغربية، وتغيير اسمها الى دولة يهودا والسامرة، بعد اغراقها بالمستوطنين والمستوطنات، مليون مستوطن و214 بؤرة استيطانية و 178 مستوطنة.

في مرحلة التراجع  وعدم تماسك الجسم الوطني وغياب الوحدة الوطنية الفلسطينية، نجد أنه تطفو على السطح  العديد من الظواهر، فنحن نشهد الآن في قطاع غزة، بشراكة امريكية – اسرائيلية وبعض الجهات، ظواهر ياسر ابو شباب ورامي حلس وياسر حنيدق، وكلها يجري توظيفها لخدمة مشاريع ومخططات الاحتلال، بما يذكر بجيش لحد اللبناني او حكومة فيشي التي تعاونت مع المانيا، عندما جرى احتلال الجزء الجنوبي من فرنسا من قبل هتلر وقواته.

لذلك لا غرابة في ظل الحرب الشاملة التي تشن على شعبنا الفلسطيني، وغياب القيادة الجامعة والموحدة، وحتى العنوان الجامع والموحد للشعب الفلسطيني، كممثل شرعي ووحيد، تعرض لاهتزازات عميقة، وكذلك غياب وحدة الأداة الكفاحية والسياسية، ساهمت في وجود مثل هذه النتوئات والطفيليات، وأن تنتقل مثل هذه الظواهر من غزة الى الضفة وحتى القدس، وبأشكال وتسميات مختلفة، وخاصة أن اسرائيل لا تعترف بوجود شعب فلسطيني بالمعنى القومي، بل تجد فيه تجمعات سكانية وعشائرية وقبلية، ولذلك مشروع الروابط العشائرية والقبلية، مشروع قديم حديث بدأه مناحيم مليسون، الأستاذ الفخري للأدب العربي في الجامعة العبرية، وهو شغل منصب رئيس الإدارة المدنية الإسرائيلية في الضفة الغربية، وهو مستشرق ومستعرب، وكاتب في الثقافة العربية والإسلامية.

مشروع روابط القرى الذي عملت اسرائيل على اقامته بعد اتفاقيات "كامب ديفد" مع مصر، في الفترة ما بين 78 -82، لخلق ادوات محلية عشائرية وقبلية يناط بها الجانب الخدماتي والصحي والتعليمي والبنى التحيتة لسكان الضفة الغربية، عبر تشكيلات عشائرية وقبلية "روابط القرى"، تكون تحت المسؤولية المباشرة للقائد العسكري "المدني" مسؤول الإدارة المدنية في الضفة الغربية.

مشروع روابط القرى، جاء من بعد فوز قائمة منظمة التحرير الفلسطينية في الإنتخابات البلدية عام 1976، وسعي الاحتلال للقضاء على لجنة التوجيه الوطني في الضفة الغربية والقدس، كذراع لمنظمة التحرير الفلسطينية في الداخل، وكان مخططا له أيضاً ان يكون بديلا عن منظمة التحرير الفلسطينية ووحدانية تمثيلها للشعب الفلسطيني، ولكن تلك الروابط لم تعمر طويلاً، حيث تحركت القوى والجماهير الفلسطينية، نحو "وأد" هذا المشروع قبل ان يكبر ويتجذر، ولكي يجري لاحقاً بفعل التصدي الفاعل من قبل المجموع الوطني والمؤسساتي والشعبي الفلسطيني إفشال هذه المشروع والمخطط التصفوي. والتجارب تقول بأن الاحتلال، وان تراجع عن مشاريعه ومخططاته، ولكن يتحين الفرصة لكي يقوم بإعادة طرحها واخراجها من الأدراج.


اليوم وبعد كشف صحيفة "وول جورنال ستريت" عن قيام خمس شخصيات عشائرية من الخليل، باللقاء مع الوزير الليكودي نير بركات، واعلانهم بأنهم يدعمون خيار الاعتراف بيهودية الدولة، والتمرد على السلطة الفلسطينية واقامة إمارة في الخليل، ضمن مشروع تقسيم الضفة الغربية الى 8 اقاليم، تحكمها العشائر الكبرى وتكون مرتبطة بالحكم العسكري في الضفة الغربية، بعد الغاء ما تعرف بالإدارة المدنية في الضفة الغربية.

صاحب هذا المشروع والمخطط، المستشرق والباحث وصاحب الأفكار اليمنية المتطرفة مردخاي كيدار، الذي يحمل دكتوراه في الدراسات العربية والإسلامية، ومحاضر سابق في الدراسات العربية في جامعة بار ايلان في تل ابيب، وعمل في مركز بيغن السادات للابحاث الاستراتيجية، والذي لا يعترف بوجود شعب فلسطيني، ويعيد هذا المشروع "إمارة الخليل" الذي تناقلته وسائل الإعلام وتقارير اعلامية، الحديث عن مخططات اسرائيلية لانشائها وتنصيب عدد من رجالات العشائر في المحافظة الى الاذهان ما كان اقترحه الاكاديمي اليميني المتطرف مردخاي كيدار قبل نحو عامين.

وتعرف خطة كيدار هذه باسم "خطة روابط القرى" (بالإنجليزية: The Emirate Plan أو Village Leagues)، وهي خطة سياسية قديمة/ حديثة الطرح تتعلق بمستقبل الضفة الغربية. 

تستند فكرة كيدار إلى تقسيم الفلسطينيين في الضفة الغربية إلى "كيانات عشائرية محلية" بدلاً من كيان سياسي وطني موحد.

كيدار يرى أن محاولة إنشاء دولة فلسطينية قومية موحدة في الضفة وغزة قد فشلت، وأن الحل البديل هو تفكيك المجتمع الفلسطيني إلى كيانات عشائرية محلية تحكم نفسها ذاتيًا، مستندًا إلى البنية الاجتماعية التقليدية في بعض المدن والقرى.

فكرة "روابط القرى"، تقوم على منح كل مدينة أو منطقة فلسطينية (مثل الخليل، نابلس، جنين، بيت لحم إلخ…) حكمًا ذاتيًا محليًا، بإدارة زعماء عشائريين أو محليين، وتكون هذه "الكيانات" مرتبطة بإسرائيل بشكل مباشر أمنيًا واقتصاديًا.

ومردخاي كيدار يحمل نفس الفكرة التي تتبناها الأحزاب الإسرائيلية  الدينية والقومية والأحزاب اليمينية من ليكود وغيرها، بأن الفلسطينيين، ليسوا شعبًا قوميًا بل تجمعات عشائرية"؛ لذلك فإن تقسيمهم إلى إمارات أو روابط عشائرية هو الحل الوحيد المستقر، حسب زعمه.

حسب الخطة "الكيدارية" يجري تقسيم الضفة الغربية الى ثماني إمارات، الخليل، بيت لحم، رام الله، اريحا، نابلس، جنين، طولكرم وقلقيلية، وتتبع هذه الإمارات القرى المحيطة بها، ولكن دون المنطقة "سي" والتي تشكل 60% من مساحة الضفة غربية، حيث سيتم ضمها لإسرائيل بشكل كامل "دولة يهودا والسامرة".


هذه الخطة أثارت عاصفة في الشارع الفلسطيني، واشعلت ضوءاً أحمر عند القوى والفصائل والمؤسسات والعشائر، والتي أعلنت عن رفضها المطلق لهذه الخطة، وصدرت بيانات حزبية عن الفصائل الفلسطينية، في المقدمة منها فتح وحماس والجبهة الشعبية والجهاد الإسلامي وبقية الفصائل الفلسطينية، وكذلك عشيرة الجعبري وعشائر الخليل، أصدرت بياناً برفض هذه الخطة، والتبرؤ ممن اقدموا على هذه الخطوة، التي تمس بالثوابت الفلسطينية، وتعتبر منزلقاً خطيراً، نحو تفكيك المشروع الوطني، والتخلي عن الحق الفلسطيني، في إقامة دولته الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيان 1967 .

الفصائل رأت في مشروع "إمارة الخليل" تطوراً خطراً، كمقدمة لتعميم مشروع" الإمارات" العشائرية والقبلية على كامل الضفة الغربية، كبديل للمشروع الوطني، وهذه الخطة من شأنها تفتيت الهوية الوطنية الفلسطينية وتقويض مشروع الدولة.

مواصلة اسرائيل لعملية اختراق "تحصينات جدران" النسيجين السياسي والمجتمعي، وهي تلغي وتسقط أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة ومتواصلة جغرافياً وذات سيادة، وتحول السلطة الفلسطينية، الى سلطة مخاتير ورجال عشائر، بدون أي شكل من اشكال السيادة، وتجعل الأمن بيد اسرائيل، وتشرعن عملية الضم والتهويد لمنطقة "سي"، وتخلق جيشاً من المرتزقة "والوكلاء" المحليين الموالين للاحتلال على غرار جماعات ابو شباب ورامي حلس وياسر حنيدق في القطاع، والذين تبرأت منهم عشائرهم وعائلاتهم وأسرهم، ورأت فيهم أدوات وظيفية عند اسرائيل.

على مر سنوات الكفاح والنضال الفلسطيني، منذ بداية الغزوة الصهيونية الأولى لفلسطين وحتى اليوم، كانت اسرائيل والقوى الاستعمارية، تطرح خططا ومشاريع، هدفها  تفكيك وحدة الشعب الفلسطيني والتعامل معه على شكل تجمعات سكانية وقبلية، وليس كشعب له حقوق وطنية وسياسية، وسعت لاستحضار هويات فرعية ومصطنعة، كبديل عن الهوية القومية العروبية والفلسطينية الأصيلة، ولكن كانت الهزيمة من نصيب تلك المشاريع والمخططات.


Tags

Share your opinion

من خطة مناحيم ميلسون الى خطة مردخاي كيدار

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.