أمين الحاج / كاتب سياسي / الجامعة العربية الأمريكية
منذ بداية العدوان على غزة، لم تعد الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة نصوصا نمر عليها - كما كان يفعل كثير منا- دون تدبر أو تأمل، بل صرنا نشعر أننا ملزمون- أكثر من السابق - بالوقوف عند عتباتها، وان ننهل من معانيها، والتزود بنورها، لأنها أكثر من مجرد مواعظ، بل إضاءات على واقع قاتل نعيشه، أو ما تلامس ما نفتقده على الأقل، ومن هذه النصوص الحديث النبوي الشريف الذي رواه الإمام البخاري، عن سلمة بن عبيد الله الخطمي عن أبيه، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا"، حديث بسيط في لغته، عدد كلماته ستة عشر، تساوي عدد سني الحصار الذي فرض على غزة ظلما، لكنه عميق في معناه، يعيد تعريف النعم في أوضح صورها، الأمان، الصحة، والطعام، ثلاث ركائز، متى توفرت للإنسان، صار في نعيم لا يدركه كثيرون في زحمة الطموح، واللهاث وراء المزيد، نعيم لا يعرف قيمته إلا من حرم منه.
فالحديث الشريف يقدم رؤية إنسانية شاملة ومختصرة لحاجات الإنسان الأساسية، تماما كما فعل - بعد 1400 عام - عالم النفس الأمريكي "ماسلو" ، لكن الفرق أن الحديث الشريف لا يقدم ذلك بوصفه "نظرية"، بل كدعوة أخلاقية للتأمل، والامتنان، والتضامن مع من فقد هذه النعم، وبالتالي فان النبي ﷺ في حديثه قدم خلاصة ما يحتاجه الإنسان ليشعر بالرضا ويبدأ في الحياة، لكن حين نقرأ هذا الحديث في ظل المأساة الإنسانية التي يعيشها أهلنا في غزة، ندرك كم هي هذه النعم عظيمة، وكم هي غائبة عن واقع أكثر من مليوني إنسان يعيشون تحت الحصار والقتل المتواصل منذ 577 يوما في غزة وقبلها حصار متواصل، فهذه الاحتياجات الثلاث منتهكة بالكامل، فالإنسان الغزي محاصر في قاعدة "هرم ماسلو"، لا يستطيع الصعود لأنه لم يحصل حتى على الطعام أو الأمان، فهل يمكن لغزي واحد اليوم أن يقول إنه آمن في سربه؟
منذ السابع من أكتوبر فقد أبسط أشكال الأمان، لم يعد البيت ملاذا آمنا، بل صار هدفا، او مقبرة جماعية، الأسر تجتمع في لحظة، لتقتل في لحظة، أحياء سويت بالأرض دون سابق إنذار، ولم يعد أحد يطمئن إلى أنه سينجو ليوم الغد.
أما الصحة، فهي أمل مفقود، فما تبقى من مستشفيات منهار، الأدوية نادرة، والكوادر الطبية تعمل بأدوات بدائية، في ظروف لا أقول أقرب إلى الكارثة، بل هي الكارثة بعينها، جرحى بلا علاج، عمليات بلا تخدير، مرضى بلا دواء، وأطفال يموتون لغياب اللقاحات أو الحاضنات.
وحين نتحدث عن "قوت اليوم"، فإننا لا نتحدث عن رفاهية أو تنوع غذائي، بل عن الحد الأدنى للبقاء على قيد الحياة، فالطحين لا يكفي، والماء ملوث أو مفقود، والطعام يوزع بنظام طوارئ لا يلبي حاجات الأطفال أو كبار السن، ولا النساء الحوامل والمرضعات، التجويع في غزة لم يعد تهديدا، بل صار واقعا معاشا، آلاف العائلات تعيش بلا وجبة مشبعة واحدة في اليوم.
الحديث النبوي لا يدعونا فقط لشكر النِعَم، بل يضعنا أمام مسؤولية أخلاقية حين تسلب هذه النعم من إخوة لنا، وإذا كانت غزة اليوم محرومة من هذه المقومات الثلاث، فإنها بذلك محرومة من "الدنيا" التي تحدث عنها النبي ﷺ. فهم الحديث في هذا السياق لا يجب أن يكون انعزاليا، بل حافزا للتحرك، ولفك الحصار، ورفع الظلم عن المظلومين، وإيصال صوت الجوعى والمجوّعين، ورفض أن تتحول هذه المأساة إلى مشهد اعتيادي في نشرات الأخبار.
إذا كانت هذه النعم تساوي الدنيا، فإن حرمان غزة منها هو خنق للدنيا بأكملها في بقعة صغيرة من هذه الأرض، ولعل أضعف الايمان في تطبيقنا للحديث اليوم، أن نحزن لفقدان أهلنا لهذه النعم، وان كنا نحمد الله على وجودها لدينا، فهو حمد بطعم الألم، لكن علينا أن نتذكر دوما، أنها نِعَمٌ قد تزول في لحظة.
=======================
الحديث النبوي لا يدعونا فقط لشكر النِعَم، بل يضعنا أمام مسؤولية أخلاقية حين تسلب هذه النعم من إخوة لنا، وإذا كانت غزة اليوم محرومة من هذه المقومات الثلاث، فإنها بذلك محرومة من "الدنيا" التي تحدث عنها النبي ﷺ
Wed 07 May 2025 9:48 am - Jerusalem Time





Share your opinion
من أصبح منكم آمنا في سربه؟