Mon 19 Aug 2024 8:15 am - Jerusalem Time

سوءُ أدائنا ألدُّ أعدائنا!

إبراهيم ملحم

ليس ثمة ما هو أكثرُ خطراً وأعظمُ خَطباً مما يرتكبه أعداؤنا بنا، سوى سُوء أدائنا، وتعدّد أجنداتنا، وتفرّق عِصِيّنا، وتهافُت أفكارنا، وضعفنا وتواكلنا وعجزنا عن أداء مهمّاتنا، وفشلنا في أن نَسُوسَ أمرَنا وحدنا.


ما يُكابده اليومَ شعبُنا من آلامٍ ودماءٍ ومُعاناةٍ بلغت الآفاق، ولم يشهد لها التاريخُ مثيلاً، سوى النتيجة الطبيعية لسنوات "السداح مداح" في تعامُلنا مع أنفسنا، وفي طريقة تفكيرنا وإدارة أُمورنا، حتى غلّبنا الولاءات على الكفاءات، والأجندات الخارجية على الانتماءات الوطنية، ورفعنا الصغار، ووضعنا الكبار، لأننا لا نحتملُ أحداً يُجادلنا، ونطربُ لـمَن يُجاملنا ويُمَسّد على قناعاتنا وقراراتنا، فالغواني يغرّهنّ الثناء.


ما يعيشُه اليومَ شعبُنا هو الثمرة الـمُرّة للصمت وعدم الـمُجاهرة بالرأي إزاء الكثير من أفعال الارتجال والافتقاد إلى الخيال، التي تُخاصم الفعل الثوريّ، وتخصمُ من النضال الوطنيّ. نضبت بئر التجربة والمعرفة لزعماء وقادة ومفكرين كانوا بمثابة البوصلة والدليل، حتى مشينا وراء غرائزنا وشهواتنا في الحُكم والتحكّم، دون أن نلتفت إلى واجباتنا ومسؤولياتنا، وما إن وصل السلاحُ إلى أيدينا حتى استخدمناه في إراقة دمائنا وحسم ما شجرَ بيننا.


جمّدنا الانتخابات، واستمرأنا إصدار القرارات والتشريعات، خلطنا حابلَ التشريعي بنابل الوطني بالمركزي بالثوري، حتى تشابهت الألوانُ علينا، وأصبحنا نُحقق الإجماعَ بالتصفيق، دون تمحيصٍ ولا تدقيق، وضعنا الندى في موضع السيف بالعُلا، كما وضعنا السيف في موضع الندى، حتى باتت كما هي اليومَ حالُنا.


تركنا غزةَ تقلعُ أشواكَها، وتُكابدُ معاناتها تحت حُكم السلاح الخارج عن الإجماع، واليوم نعلن العودةَ إليها بعد أن باتت أرضاً يباباً بلقعا، وأصبحت في غرفة الإنعاش، ولسانُ حالنا، كما قال شاعرُنا القديم، "هل نذهبُ إلى القطاعِ نزورُه، أم قبل الضياعِ نُودّعُه".


جفّ مَعينُ العطاء في جميع المجالات، حتى في الشِعر، فبعد محمود درويش لم يولَد لنا شاعرٌ يُبلسمُ أوجاعَنا، ولا فدوى طوقان تُقيل عثراتنا من الرحلة الجبلية، ولا إدوارد سعيد يُصلحُ اعوجاجنا، حتى أُعجبنا بأنفسنا، وتاهت بوصلتُنا، ولم نعد نرى إلا ما نرى، فيما أعمدةُ النار والدخان تسدّ الأرض وتكبتُ على أنفاسنا.


لن يَصلُحَ حالُنا إلا بتحسين أدائنا، قيادةً وأفراداً وفصائل، على اختلاف ألوان راياتها وتعدّد أجنداتها وتبايُن ولاءاتها.


اضطربت بوصلةُ نضالنا عندما خلطنا أنسابَ المفاهيم، وطوّعنا الدين لخدمة السياسة، فلا كسبنا الدين، ولا نجحنا في السياسة.

Tags

Share your opinion

سوءُ أدائنا ألدُّ أعدائنا!

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.