العودة إلى الشمال: بين الصدمة النفسية وقسوة الواقع

العودة إلى الشمال: بين الصدمة النفسية وقسوة الواقع

العودة إلى الشمال: بين الصدمة النفسية وقسوة الواقع
بقلم: هنادي طلال الدنف ✍️
“لم أصدق عندما أخبروني أن بيوتنا لا تزال واقفة. كنت أتخيل أنني سأدخل منزلي، أفتح الباب وأجد كل شيء كما تركته. لكن عندما وصلت، رأيت الجدران مائلة، الأبواب مخلوعة، والغبار يغطي كل شيء. حتى الهواء في المكان كان مختلفًا، وكأنه لم يعد يعرفنا.”

بهذه الكلمات عبّرت إحدى العائدات إلى شمال غزة عن صدمتها لحظة وصولها. لكن الصدمة لم تكن فقط في رؤية البيوت المدمرة، بل في الإحساس بالفراغ، بالضياع، بعد أن قطعوا مسافات طويلة ليعودوا إلى مكان لم يعد يشبه ذاكرتهم. بعضهم وجد منزله واقفًا لكنه غير صالح للسكن، بلا ماء، بلا كهرباء، بلا شبكة اتصال، وكأن الحياة نفسها اختفت من هذه المساحات. ومع ذلك، حاولوا التأقلم، نصبوا الخيام بجانب منازلهم المدمرة، وتمسكوا بفكرة العودة ولو في ظروف غير إنسانية.

الصدمة النفسية: مواجهة الحقيقة المروعة

كان المشهد الأول لحظة الوصول؛ حيث بدت المنطقة وكأنها مدينة أشباح. لم يكن هناك أصوات سوى همسات متقطعة بين العائدين، وكأن أحدًا لا يريد كسر الصمت المخيف. بعض العائلات مشَت بين الركام تبحث عن أثرٍ لما كان يومًا ما منزلها، البعض انهار بالبكاء، وآخرون وقفوا في ذهول، لا يعرفون ماذا يفعلون.

إحدى الأمهات كانت تمسك بيد طفلها الصغير، تنظر إلى بقعة من الأرض وتقول: “هنا كان سريرك، هنا كنت أنام بجانبك، وهنا كنا نضع مصباح الليل… لكن أين ذهب كل شيء؟” الطفل لم يفهم، نظر إليها ثم إلى الأرض، لكنه شعر بارتباك أمّه، فتشبث بيدها أكثر.

الشعور بالعجز: بين قلة الحيلة ومحاولات البقاء

العائدون اليوم لا يفكرون في إصلاح منازلهم، لأن فكرة الترميم لا معنى لها في ظل انعدام الماء والكهرباء وأبسط وسائل العيش. الأولويات تغيّرت، وأصبحت الحاجة الأولى هي البحث عن الماء والطعام.

“أمضينا اليوم الأول نحفر في الركام نبحث عن أي شيء نستخدمه. وجدت صفيحة صدئة وحاولت أن أجعلها موقدًا صغيرًا لطهي شيء بسيط للأطفال، لكن لا يوجد طعام. اضطررنا للمشي لمسافة طويلة حتى نجد شخصًا يبيع الماء، حملناه على أكتافنا وعدنا.”

في علم النفس، يُعرف هذا الوضع باسم “العجز المكتسب”، حيث يشعر الإنسان بأنه محاصر بين خيارات مستحيلة، فيتوقف عن التفكير في الحلول بعيدة المدى ويركز فقط على النجاة اليومية.

التأقلم القسري: كيف يحاول الناس النجاة؟

“في الليل، لا نملك أي ضوء. مع أذان المغرب، نصبح محاصرين في أماكننا. أحيانًا نحاول إشعال نار صغيرة، لكن نخاف أن يجلب ذلك الانتباه. نحن نعيش في ظلام وخوف.”

العزلة والخوف: عندما تصبح المدينة مدينة أشباح

مع غروب الشمس، يتغير كل شيء. الظلام الدامس، صمت الشوارع، وأصوات الكلاب الضالة التي تجوب بين الركام، تجعل المكان أشبه بفيلم مرعب، لكنه الواقع اليومي للعائدين.

“لا يمكن لأحد الخروج بعد المغرب. المكان موحش، الكلاب تعوي طوال الليل، ولا نعرف ماذا يختبئ في هذا الركام. كل ما نفعله هو الجلوس داخل الخيام، نحاول النوم رغم البرد، رغم الخوف، رغم التفكير في الغد.”

في علم النفس، تؤدي هذه الحالة من العزلة والخوف المزمن إلى اضطرابات نفسية مثل القلق الدائم والاكتئاب، خاصة لدى الأطفال الذين يعيشون هذه التجربة دون أن يفهموا سببها.

بين الأمل والاستمرار: كيف يمكن النجاة نفسيًا؟

رغم كل هذه الظروف، يبقى الإنسان قادرًا على التكيف ولو بطرق بسيطة. بعض العائلات بدأت تخزن المياه بطرق بدائية، وأخرى حاولت إنشاء وسائل تواصل محلية عبر أجهزة بسيطة. هذه المحاولات، رغم بساطتها، تعطي الإحساس بالسيطرة على بعض جوانب الحياة، وهو أمر أساسي نفسيًا لمنع الانهيار الكامل.

حرب بعد الحرب: معركة البقاء اليومية

لم تكن العودة إلى الشمال نهاية المعاناة، بل بداية حرب أخرى، حربٌ بلا قذائف لكنها تستنزف الإنسان ببطء. اليوم، الصدمة النفسية لم تعد فقط مرتبطة بالقصف، بل بالحرمان من أساسيات الحياة، بالمشي لمسافات طويلة لجلب الماء، بالانتظار في الظلام حتى يحلّ الصباح، بعدم القدرة على الاتصال بالعالم الخارجي.

لقد أصبحت الحياة نفسها معركة، حربًا جديدة يخوضها العائدون كل يوم من أجل البقاء. بين الصدمة، العجز، التأقلم القسري، والعزلة، يعيش الناس في حالة من اللايقين، حيث لا شيء مضمون، ولا حلول واضحة في الأفق. ومع ذلك، تظل قدرة الإنسان على الصمود والتكيف هي الأمل الوحيد الذي يمكن البناء عليه، مهما بدت الظروف مستحيلة.
هل يمكن للإنسان أن يصمد إلى الأبد دون أمل حقيقي؟

823 مشاهدة
0 تعليق

بقلم

هنادي طلال الدنف

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

العودة إلى الشمال: بين الصدمة النفسية وقسوة الواقع