باتاغونيا تحترق، ومن حقنا أن نسأل من ينتظر الرماد

باتاغونيا ليست غابة بعيدة اشتعلت بسبب صيف جاف ورياح قوية فقط. إنها واحدة من أغنى مناطق العالم بالمياه العذبة، والمعادن، والأراضي الشاسعة، والموقع الاستراتيجي. لذلك، لا يجوز النظر إلى حرائقها كحادث بيئي عابر، بل كإنذار سياسي وسيادي. السؤال الحقيقي ليس، كيف بدأت النار فقط؟ بل، من يستفيد مما بعد النار؟

جنوب الأرجنتين لا يحترق في فراغ. إنه يحترق في عهد خافيير ميلي، الرئيس الذي جاء بمنشار التقشف، ورفع شعار تدمير الدولة، ثم ترك مؤسسات البيئة ومكافحة الحرائق أضعف من أن تحمي الأرض والناس. وعندما تُضعف الدولة، لا تختفي السلطة، بل تنتقل إلى الشركات، والمضاربين، وأصحاب العقود، والمستثمرين الأجانب، وكل من ينتظر لحظة الفوضى ليشتري بثمن أرخص ويفرض واقعًا جديدًا.

والشارع الأرجنتيني اليوم يغلي حول ما يجري في باتاغونيا. الغضب لم يعد محصورًا في السكان المحليين المتضررين من الدخان والإجلاء وخسارة البيوت والأراضي، بل امتد إلى نقاش وطني أوسع حول معنى أن تترك الدولة جنوب البلاد مكشوفًا أمام النار، ثم أمام المستثمرين، ثم أمام نفوذ خارجي لا يشرح نفسه للرأي العام. هذا الغليان الشعبي ليس تفصيلًا عابرًا، بل مؤشر سياسي على أن أزمة باتاغونيا تجاوزت حدود الكارثة البيئية ودخلت قلب سؤال السيادة.

هنا تصبح باتاغونيا أكثر من كارثة طبيعية. تصبح ملف سيادة.

السؤال المشروع اليوم هو، هل تتحول باتاغونيا، قطعة قطعة، إلى منطقة نفوذ خارجي تحت غطاء الاستثمار والسياحة والتعاون التقني؟ وهل يشكل النفوذ الصهيوني والإسرائيلي المتزايد في الأرجنتين جزءًا من هذه المعادلة؟ والأكثر خطورة، هل تُعاد اليوم صياغة باتاغونيا في الوعي الاستراتيجي لبعض الدوائر بوصفها «وطنًا بديلًا» أو احتياطيًا جيوسياسيًا، لا يعلن نفسه كخطة رسمية، بل يتقدم عبر الأرض والمياه والعقود والخرائط والواقع المفروض تدريجيًا؟

لا أحد يحتاج إلى إطلاق اتهامات عشوائية أو تحويل المسألة إلى كراهية دينية. القضية ليست اليهود كجماعة دينية، ولا يجوز أن تكون كذلك. القضية هي الصهيونية السياسية، الدولة الإسرائيلية، الشركات المرتبطة بها، وشبكات المال والعقار والمياه التي تتحرك في مناطق حساسة من العالم عندما تضعف الدول وتتراجع الرقابة.

ميلي لم يخفِ انحيازه. لقد جعل التحالف مع إسرائيل جزءًا من هويته السياسية. رفع الرموز، قرّب العلاقات، وفتح أبوابًا واسعة أمام نفوذ خارجي في لحظة تحتاج فيها الأرجنتين إلى حماية مواردها لا إلى تعريضها للمساومة. وعندما تتزامن هذه السياسة مع خفض ميزانيات الحماية البيئية، وتفكيك أدوات الدولة، واندفاع الخصخصة، يصبح من السذاجة أن نعامل حرائق باتاغونيا كأنها مجرد خبر طقس.

كل حريق كبير يطرح أسئلة جنائية وسياسية واقتصادية. هل كان هناك حرق متعمد؟ من قصّر في الوقاية؟ هل خُفضت ميزانيات فرق الإطفاء؟ هل أصبحت الأرض المحترقة لاحقًا أقل حماية وأكثر قابلية للبيع أو التطوير؟ من اشترى؟ من تفاوض؟ من موّل؟ ومن وقّع؟

هذه ليست أسئلة مؤامرة. هذه أسئلة دولة.

الذين يسارعون إلى السخرية من أي حديث عن «خطة أندينيا» أو عن الطموحات الصهيونية في باتاغونيا يتجاهلون أن الأساطير السياسية لا تولد من العدم. نعم، لا توجد وثيقة قضائية حاسمة تثبت وجود خطة إسرائيلية معلنة للاستيلاء على باتاغونيا أو تحويلها إلى وطن بديل. لكن توجد وقائع يجب ألا تُدفن، تاريخ قديم من التفكير الصهيوني في الأرجنتين كأرض بديلة، مشاريع استيطان زراعي يهودية في القرن التاسع عشر، شراء أراض واسعة في الجنوب، دخول شركات أجنبية إلى ملف المياه، ونفوذ سياسي إسرائيلي متصاعد في عهد ميلي.

هذه العناصر لا تكفي وحدها لإدانة أحد، لكنها تكفي، وأكثر من تكفي، لفتح تحقيق وطني شامل.

الأخطر من النار هو ما يأتي بعدها. في أماكن كثيرة من العالم، تبدأ عملية الاستيلاء لا بالدبابات، بل بالعقود. لا تبدأ بإعلان احتلال، بل بتغيير قانون. لا تبدأ بجيش، بل بشركة مياه. لا تبدأ بطرد مباشر، بل بتجفيف حياة السكان الأصليين، وتجريمهم، وإضعافهم، ثم إخبارهم أن السوق قرر مصيرهم.

وهذا ما يخشاه كثيرون في باتاغونيا. أن تتحول الحرائق إلى مدخل لإعادة هندسة الأرض. تحترق الغابة، تخسر الأرض قيمتها، تتراجع القيود البيئية، يظهر المستثمر، تُبنى الطرق، تُقام المنتجعات، وتصبح السيطرة الجديدة أمرًا واقعًا. وعندما يسأل الناس من المستفيد، يُقال لهم، أنتم تروّجون للمؤامرة.

لا. السؤال عن المستفيد ليس مؤامرة. إنه أبسط قواعد التحقيق.

أما ملف المياه، فهو جرس إنذار مستقل. عندما تدخل شركات إسرائيلية أو أجنبية إلى إدارة المياه في بلد يمتلك أحد أهم المخزونات المائية في العالم، فالموضوع لا يعود مسألة تقنية. المياه سيادة. المياه أمن قومي. المياه ليست برنامج إدارة ولا عرضًا استشاريًا. وعندما تُدار موارد شعب ما عبر عقود غامضة أو غير مفهومة للرأي العام، فإن الشفافية لا تكون ترفًا، بل واجبًا.

ومن هنا يجب أن يكون الموقف واضحًا، المطلوب ليس خطابًا عاطفيًا فقط، بل تحقيق قانوني وسيادي. يجب فتح سجلات ملكية الأراضي في باتاغونيا. يجب مراجعة كل عمليات تملك الأجانب في المناطق الحدودية والحساسة. يجب نشر عقود المياه والموارد. يجب التحقيق في أثر خفض ميزانيات مكافحة الحرائق. يجب حماية مجتمعات المابوتشي من التجريم السياسي. ويجب التعامل مع كل شبهة حرق متعمد باعتبارها جريمة ضد البيئة والسيادة، لا مجرد مخالفة موسمية.

باتاغونيا ليست عقارًا معروضًا في مزاد العولمة. ليست خزان مياه مفتوحًا لشركات الخارج. ليست أرضًا بلا شعب ولا ذاكرة ولا حقوق. وليست، فوق ذلك، مساحة فارغة يمكن لأي مشروع أيديولوجي أو استيطاني أن يتخيلها «وطنًا بديلًا» على حساب سيادة الأرجنتين وحقوق سكانها. إنها جزء من سيادة الأرجنتين، وجزء من معركة أوسع تخوضها شعوب الجنوب العالمي ضد تحويل الموارد الطبيعية إلى غنائم في يد التحالف بين السياسيين المتطرفين والمليارديرات والشركات العابرة للحدود.

لذلك، عندما يقال إن الحديث عن النفوذ الصهيوني في باتاغونيا «مبالغة»، يكون الرد بسيطًا، افتحوا السجلات. انشروا العقود. أعلنوا أسماء المالكين الحقيقيين. اكشفوا المستفيدين بعد الحرائق. دعوا القضاء والبرلمان والصحافة الحرة يحققون. من لا يخفي شيئًا لا يخاف الشفافية.

السؤال لم يعد هل توجد «مؤامرة» بالمعنى السينمائي للكلمة. السؤال الأهم هو، هل يجري، تحت أعين الجميع، نقل تدريجي للسيطرة على الأرض والماء والقرار في باتاغونيا عبر أدوات قانونية واقتصادية وسياسية؟ وهل يمكن أن تتحول فكرة «الوطن البديل» من خيال سياسي منبوذ إلى واقع ناعم، لا يعلن نفسه، لكنه يتشكل على الأرض عبر الملكية والتمويل والنفوذ؟

وإذا كان الجواب لا، فليثبتوا ذلك بالوثائق لا بالشتائم.

باتاغونيا تحترق. لكن الرماد لا يخفي الحقيقة دائمًا. أحيانًا يكشفها.

249 مشاهدة
0 تعليق
جمال عبيد فاخوري

بقلم

جمال عبيد فاخوري

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

باتاغونيا تحترق، ومن حقنا أن نسأل من ينتظر الرماد