هذه هي الحقيقة التي تتجاهلها كل وسائل الإعلام العربية والعالمية، وهي أن المال الخليجي أينما حَلَّ، حَلَّ معه الخراب والدمار، وتحول الجميع إلى أعداء لبعضهم البعض بين عشية وضحاها، رغم أنهم قبل ذلك عاشوا قروناً طويلة مع بعضهم دون أي صراع.
وما تشهده اليمن ليس استثناءً عن بقية الدول العربية والإسلامية؛ فكلها تحترق وللأسباب نفسها وإن اختلفت العناوين والمبررات. فالسودانيون يموتون يومياً بفعل المال الخليجي، وكذلك الحال في سوريا التي تعرضت لنكبة كبرى ما كانت لتحدث لولا المال الخليجي. أما العراق فحدِّث ولا حرج، ويكفي أن تعلم أن تكلفة كل سيارة مفخخة ضربت الشعب العراقي دفعها مسؤول خليجي، خاصة من الرياض، العدو الأول والتقليدي للأمة العربية، قبل أن يتزاحم غيرها على تمويل الصراعات والحروب.
وفي اليمن تتضح الرؤية أكثر من أي وطنٍ آخر؛ فاليمنيون بطبيعتهم يكرهون النظام السعودي ويعلمون أن عداءه للأمة الإسلامية لا يختلف عن العداء الصهيوني لها، ولكن "عَبَدة المال" يتناوبون على العمالة لآل سعود، وفي كل مرة يرفعون ذريعة تختلف كلياً عن سابقاتها لتبرير الخيانة والتدخل السعودي في وطنهم. وهم -رغم تلك العمالة للنظام نفسه- متعادون فيما بينهم وفي حالة حرب دائمة تغذيها الأموال نفسها.
ولكل طرف من مرتزقة البلاد قصته الخاصة في العمالة لآل سعود؛ فعفاش -مثلاً- وصل إلى الحكم بدعمٍ سعودي نظير دوره في تصفية الرئيس اليمني الأسبق إبراهيم الحمدي الذي كان من أشد المعارضين للتدخلات السعودية في اليمن، وسقط عفاش أيضاً بتوجيهات سعودية أجبرته على تسليم السلطة لأطراف أخرى أكثر خيانة منه، وفي مقدمتهم حزب الإصلاح.
وللطرفين، عفاش والإصلاح، عداواتهما الخاصة أيضاً مع النظام السعودي في كل مرة يتخلى عن عمالتهم؛ فالأول، وبعد خروجه من السلطة، تحول إلى عدوٍ لدود لآل سعود وكشف الكثير من مخططاتهم ومؤامراتهم في البلاد، متجاهلاً أنه كان الأداة المنفذة لها.
ونفس الأمر تكرر مع حزب الإصلاح، فقد بادر إعلامه إلى التشنيع بالرياض بعد العام 2017، خاصة مع اشتداد الأزمة الخليجية مع قطر، حيث كشف إعلام الإصلاح الكثير من التآمر السعودي على البلاد بعد أن ضمنوا ممولاً آخر غير الرياض.
والأمر ينطبق على المجلس الانتقالي، فقد انتقل بين يوم وليلة من وضعية التقديس لآل سعود إلى التشنيع بهم بعد أن أوقفت الرياض مستحقاتهم المالية، وإعلامهم اليوم يكشف الكثير من عداوتهم للمملكة بمجرد أن انتهت المصالح المشتركة بين الطرفين؛ ما يؤكد أن لكل طرف مرتزق قصة عداوة مع النظام السعودي، وأن اليمنيين كافة، حتى الخونة منهم، يكرهون النظام السعودي ويعلمون عداوته للشعب اليمني، لولا أن الأموال تحول دون تلك العداوة لبعض الوقت.
وبالفعل، السعودية عدو تاريخي لليمن وغير اليمن من أحرار الأمة، وليس بين مكونات الشعب اليمني أي دواعٍ قد تؤدي إلى احتراب داخلي على الإطلاق. ولو تجنبنا المال الخليجي لَسَلِمنا من كل هذه الحروب والصراعات التي تأخذ شكل حرب أهلية بفعل فاعل، رغم أنها ممولة خارجياً ولا تخدم أي طرف من الأطراف اليمنية. ولنا أن نتأمل مصير المرتزق عبد ربه منصور هادي، ففيه عِبرة لكل خائن، رغم ما قدمه للرياض من خدمات جليلة؛ منها إدخال اليمن رسمياً تحت الوصاية السعودية.
خلاصة القول إن ما يُصور على أنه صراع أهلي في اليمن -وفي غيره من البلدان العربية- ليس سوى امتداد لتدخلات خارجية تقودها الأموال السياسية، وعلى رأسها المال الخليجي الذي يُدار لوأد أي استقرار وتغذية الانقسامات بين الأطراف المحلية. فحتى أدوات تلك الوصاية ومرتزقتها، مهما تباينت ولاءاتهم أو تقلبت مواقفهم تبعاً للمصالح والأموال، يظلون شهوداً على حقيقة واحدة: أن غياب التمويل الخارجي وتدخلاته يكفيان لإسقاط كل عوامل الاحتراب الداخلي، وإعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي بعيداً عن أتون الصراعات المُموَّلة.
لا توجد حرب أهلية في اليمن
6 مشاهدة
0 تعليق





شارك برأيك
لا توجد حرب أهلية في اليمن