في كل عام، حين يحل تموز، لا يعود غسان كنفاني مجرد اسم في سجل الشهداء، ولا مجرد روائي فلسطيني اغتالته يد الاحتلال، بل يعود سؤالًا مفتوحًا على اتساع الوطن، وصوتًا يخرج من بين الركام ليذكرنا أن الكلمة الصادقة لا تموت، وأن الحكاية التي تُكتب بوجع الناس لا يمكن أن يطويها الزمن.
خمسة عقود وأكثر مرت على استشهاده، لكن غسان ما زال حاضرًا كما لو أنه غادرنا بالأمس، ما زالت كتبه تُقرأ، وما زالت شخصياته تتجول في المخيمات والشوارع والأزقة الفلسطينية، وما زالت أسئلته معلقة فوق رؤوسنا جميعًا، وكأن الرجل لم يكن يكتب عن زمنه فقط، بل كان يكتب عن حاضرنا ومستقبلنا أيضًا.
ولد غسان في عكا، المدينة التي تركت في روحه ملح البحر وحنين المرافئ، ثم جاءت النكبة لتقتلع الطفل من مدينته كما اقتلعت شعبًا بأكمله من أرضه، ومنذ تلك اللحظة لم تعد فلسطين بالنسبة إليه مجرد مكان، بل أصبحت قدرًا يسكنه ويسكن كتاباته، حمل حقيبة اللجوء كما حملها الملايين من أبناء شعبه، لكنه حمل معها شيئًا آخر؛ ذاكرة لا تنسى، وإيمانًا بأن الوطن الذي يُسلب بالقوة يمكن أن يبقى حيًا بالكلمة والوعي والتمسك بالحق.
لم يكن غسان كنفاني يكتب من برج عاجي، ولم يتعامل مع القضية الفلسطينية بوصفها مادة أدبية أو موضوعًا للبحث، كان يكتب لأنه كان يعيش المأساة بكل تفاصيلها، كان يرى في وجه اللاجئ وجهه، وفي خيمة المخيم بيته، وفي دموع الأمهات حكاية وطن كامل يبحث عن نفسه وسط الخراب.
وحين كتب "رجال في الشمس"، لم يكن يرثي ثلاثة لاجئين ماتوا اختناقًا داخل خزان شاحنة، بل كان يصرخ في وجه أمة كاملة: لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟ وحين كتب "عائد إلى حيفا"، لم يكن يروي قصة أسرة فقدت طفلها، بل كان يفتح جرحًا فلسطينيًا عميقًا اسمه الفقد والمنفى والهوية، أما في "أم سعد"، فقد منح المخيم وجهًا إنسانيًا لا يُنسى، وجعل من المرأة الفلسطينية رمزًا للصبر والكرامة والتحدي، كان يدرك أن المعركة ليست فقط على الأرض، بل على الرواية أيضًا، ولذلك خاض حربه بالكلمات، مؤمنًا بأن الاحتلال لا يسرق الأرض وحدها، بل يحاول سرقة الحكاية، وأن الدفاع عن الحقيقة هو شكل من أشكال المقاومة ، ولهذا السبب تحديدًا خافوا منه.
لم يكن غسان قائدًا عسكريًا يحمل بندقية على جبهة قتال، لكنه حمل ما هو أخطر في نظر أعدائه: عقلًا حرًا، وقلمًا لا يساوم، وقدرة استثنائية على تحويل معاناة شعب بأكمله إلى أدب خالد يفهمه العالم كله، لذلك قرر الاحتلال أن يقتله، ظنًا منه أن تفجير سيارة في أحد شوارع بيروت كفيل بإسكات صوته.
في صباح الثامن من تموز عام 1972، انفجرت السيارة واستشهد غسان كنفاني ومعه الطفلة لميس، تناثر الجسد، لكن الكلمات بقيت، رحل الإنسان، لكن الفكرة بقيت، سكت الصوت، لكن الصدى استمر يتردد في كل مكان.
واليوم، بعد أكثر من نصف قرن، يبدو غسان أكثر حضورًا من كثيرين ما زالوا على قيد الحياة، ففي غزة التي تواجه الموت والحصار والدمار، وفي الضفة الغربية التي تئن تحت الاحتلال والاستيطان والاقتلاع، وفي مخيمات اللجوء الممتدة من جيل إلى جيل، ما زالت شخصياته تمشي بين الناس، وما زالت عباراته تجد طريقها إلى القلوب.
لو عاد غسان اليوم، لرأى أطفالًا يولدون في الخيام كما كتب عن آبائهم وأجدادهم، ولرأى مدنًا تُقصف، وبيوتًا تُهدم، وعائلات تُهجّر، ولاجئين ما زالوا يحملون مفاتيح بيوت لم يعودوا إليها، وربما كان سيكتشف أن الزمن تغير في أشياء كثيرة، لكنه لم يتغير في جوهر المأساة التي عاشها وكتب عنها.
ومع ذلك، فإن أعظم ما تركه غسان كنفاني ليس رواياته ولا مقالاته فقط، بل إيمانه العميق بأن الشعب الذي يحافظ على ذاكرته لا يُهزم، فقد فهم مبكرًا أن الاحتلال يستطيع أن يهدم بيتًا، وأن يقتل إنسانًا، وأن يدمر مدينة، لكنه يعجز عن هزيمة فكرة عادلة تسكن وجدان شعب كامل.
لهذا لم يكن غسان كنفاني مجرد شهيد فلسطيني، بل شاهدًا دائمًا على الحقيقة، وكلما حاول البعض طمس الرواية الفلسطينية أو تشويهها، عاد غسان من بين صفحات كتبه ليقول إن الوطن ليس مجرد أرض محتلة، بل ذاكرة وهوية وكرامة وإنسان، وأن الشعوب قد تتعثر، وقد تُهزم في معركة، لكنها لا تموت ما دامت قادرة على أن تروي قصتها للعالم.
لقد أرادوا اغتيال الكاتب، لكنهم منحوه الخلود، وأرادوا إسكات الكلمة، فإذا بها تتحول إلى صوت أمة بأكملها، ولذلك، فإن غسان كنفاني لم يمت في الثامن من تموز، بل بدأ منذ ذلك اليوم رحلة أخرى؛ رحلة البقاء في ذاكرة الفلسطينيين والأحرار، شاهدًا على زمن الظلم، وحارسًا للحكاية التي ما زالت تُكتب بدماء أصحابها حتى اليوم.
في النهاية، لم يكن غسان كنفاني رجلًا كتب عن فلسطين فحسب، بل كان فلسطين وهي تكتب نفسها، كان صوت المخيم حين يعجز عن الكلام، وذاكرة اللاجئ حين يثقلها المنفى، ووجدان الشهيد الذي يدرك أن الموت من أجل الحقيقة ليس نهاية الحكاية، بل بدايتها، رحل الجسد في انفجارٍ أراد له الاحتلال أن يكون نهاية، فإذا به يتحول إلى ولادة جديدة لكاتب لا يزال حاضرًا في كل بيت هُدم، وفي كل خيمة نُصبت، وفي كل طفل يحمل مفتاح العودة قبل أن يتعلم كتابة اسمه.
وها هي غزة اليوم، بكل ما فيها من وجع ودمار وصمود، تُعيد قراءة غسان لا بوصفه أديبًا من الماضي، بل شاهدًا على الحاضر، وكأن كتبه لم تكن روايات، بل نبوءات كُتبت بالحبر، ثم أكملها الزمن بالدم، وما بين عكا التي غادرها طفلًا، وغزة التي تقاوم اليوم باسم فلسطين كلها، تمتد حكاية واحدة لم تنكسر، لأن الشعوب التي تحفظ ذاكرتها لا تُهزم، ولأن الكلمة التي خرجت من قلبٍ مؤمنٍ بوطنه لا يطفئها انفجار، ولا يمحوها احتلال، ولا يدفنها زمن.
سلامٌ على غسان كنفاني يوم وُلد فلسطينيًا، ويوم عاش للكلمة، ويوم استشهد من أجلها، ويوم يعود في كل جيل ليذكّرنا أن الأوطان قد تُحتل، لكن الحكايات العادلة لا تموت، وأن الشهداء الحقيقيين لا يغيبون... بل يتحولون إلى ضوءٍ تهتدي به الشعوب في عتمة الطريق.
غسان كنفاني... شهيد الكلمة وحارس الرواية
7 مشاهدة
0 تعليق





شارك برأيك
غسان كنفاني... شهيد الكلمة وحارس الرواية