ليست أهمية التجربة الإيرلندية في أنها أضافت موقفا جديدا إلى سجل طويل من الإدانات الأوروبية للاستيطان الإسرائيلي، بل في أنها كسرت الفجوة المريحة بين القول والفعل. فإيرلندا لم تكتف بأن تعلن رفضها للمستوطنات، ولم تكتف بتكرار اللغة الدبلوماسية المعتادة عن حل الدولتين والقانون الدولي، بل ذهبت إلى المساحة التي تتجنبها عواصم كثيرة، مساحة السوق والجمارك والمصالح التجارية.
هنا تحديدا تكمن قوة الخطوة. فالدول التي تصف الاستيطان بأنه غير قانوني ثم تسمح لمنتجاته بدخول أسواقها، تضع نفسها أمام تناقض أخلاقي وقانوني يصعب تبريره. أما إيرلندا فقد اختارت أن تقول إن عدم الاعتراف بالوضع غير المشروع يجب ألا يبقى عبارة في بيان رسمي، بل يجب أن يترجم إلى إجراء يمنع الاستفادة الاقتصادية من أرض محتلة.
هذا هو الدرس الأول الذي ينبغي أن نقرأه في التجربة الإيرلندية. الموقف العادل لا يكتمل حين يقال، بل حين يتحول إلى كلفة على الظلم. فكل سلعة تخرج من مستوطنة مقامة على أرض فلسطينية محتلة ليست مجرد منتج زراعي أو صناعي، بل هي أثر اقتصادي لواقع سياسي قائم على المصادرة والضم وفرض الأمر الواقع. وحين تدخل هذه السلعة إلى سوق أوروبية، فإنها لا تدخل وحدها، بل تحمل معها سؤالا صعبا عن مسؤولية المستهلك والدولة والشركة وسلسلة التوريد.
لقد أعادت إيرلندا الاعتبار لفكرة بسيطة لكنها غائبة عن كثير من السياسات الدولية. القانون الدولي ليس زينة لغوية في خطابات القادة، ولا مرجعا يستدعى عند الحاجة ثم يترك عند بوابات التجارة. القانون إن لم يلمس حركة المال والبضائع والمصالح، بقي ناقص الأثر. ومن هنا جاءت الخطوة الإيرلندية لتقول إن الاحتلال لا يواجه بالتصريحات وحدها، بل بتجفيف المنافذ التي تمنحه قابلية الاستمرار والربح.
الأهم أن دبلن قدمت موقفها بدقة لا بانفعال. فهي لم تصنع مواجهة عامة مع اليهود، ولا مع الإسرائيليين بصفتهم شعبا، بل وضعت يدها على جوهر المسألة، المستوطنات المقامة داخل حدود عام 1967. هذا التحديد منح القرار قوة قانونية وسياسية وانسانية ، لأنه ربطه بالأرض المحتلة وبالاستيطان غير المشروع، لا بخطاب عاطفي قابل للتشويه أو الاستغلال. وهنا تكمن براعة التجربة الإيرلندية، إذ جعلت الدفاع عنها أسهل من مهاجمتها.
بالنسبة إلى العرب والفلسطينيين، لا ينبغي التعامل مع هذه التجربة كخبر سار عابر، بل كسابقة سياسية يمكن أن تغير طريقة مخاطبة العالم. فالقضية الفلسطينية لا تحتاج فقط إلى من يتعاطف معها، بل إلى من يترجم هذا التعاطف إلى سياسات. وإيرلندا قدمت نموذجا لدولة أوروبية صغيرة نسبيا استطاعت أن تتصرف بجرأة أكبر من دول تملك وزنا اقتصاديا وسياسيا أضخم، لكنها تختبئ خلف تعقيدات الإجماع الأوروبي أو حسابات الحرج الدبلوماسي.
هذه السابقة تكشف أيضا أن أوروبا ليست كتلة واحدة صماء. داخلها ضمائر سياسية حية، ومجتمعات مدنية يقظة، وأحزاب ونقابات وجامعات يمكن أن ترى في فلسطين قضية قانون وعدالة لا مجرد نزاع بعيد. ما حدث في دبلن لم يولد في فراغ، بل جاء نتيجة تراكم تاريخي في الوعي الإيرلندي، ونتيجة إدراك عميق لمعنى الاحتلال لدى شعب يعرف من ذاكرته الوطنية أن السيطرة على الأرض لا تصبح شرعية بمرور الزمن.
ومن هنا تصبح الاستفادة من التجربة الإيرلندية مسألة خطاب قبل أن تكون مسألة تحرك. المطلوب أن نخاطب العالم بلغة لا تسمح بالالتباس. لسنا أمام دعوة إلى عقاب جماعي، بل أمام رفض واضح لأن تتحول الأسواق الحرة إلى غطاء لاقتصاد المستوطنات. ولسنا أمام مطلب رمزي، بل أمام نتيجة منطقية لموقف يكرره الأوروبيون أنفسهم منذ عقود، وهو أن الاستيطان غير قانوني ويقوض فرص السلام.
إن قوة التجربة الإيرلندية أنها تفضح ازدواجية طالما اختبأت خلف الكلمات. فكيف يمكن لدولة أن تعلن رفضها للاستيطان ثم تستقبل منتجاته. وكيف يمكن لاتحاد يرفع شعار النظام الدولي القائم على القواعد أن يتعامل مع بضائع المستوطنات كما لو أنها بضائع عادية. وكيف يمكن أن يكون القانون الدولي ملزما في أماكن من العالم، ثم يتحول إلى نص مؤجل عندما يتعلق الأمر بفلسطين.
لقد وضعت إيرلندا بقية أوروبا أمام مرآة محرجة. لم تعد المسألة هل تستطيع دولة أوروبية أن تتحرك، فقد تحركت إيرلندا. ولم يعد السؤال هل يوجد أساس قانوني، فالرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية وما سبقه من مواقف أممية وفرت هذا الأساس. السؤال الحقيقي أصبح عن الإرادة السياسية، وعن استعداد الحكومات لأن تدفع ثمن الانسجام بين مبادئها ومصالحها.
ولا تقل أهمية هذه التجربة في بعدها الإعلامي. فهي تمنح الصحافة والمنابر الفكرية مادة واضحة للمساءلة. عندما يقال إن الحظر مستحيل، تصبح إيرلندا هي الجواب. عندما يقال إن القانون الدولي لا يكفي، تصبح دبلن مثالا على تحويله إلى سياسة. وعندما يقال إن أوروبا عاجزة عن الفعل، يصبح السؤال لماذا استطاعت دولة واحدة أن تفعل ما تتهرب منه دول كثيرة.
إن ما بدأ في إيرلندا ليس نهاية الطريق، لكنه بداية مهمة في معركة المعايير. فالتاريخ السياسي لا يتغير دائما بقرارات كبرى تصدر دفعة واحدة، بل أحيانا يبدأ بتحول صغير يفتح الباب لما بعده. وما كان بالأمس موقفا جريئا قد يصبح غدا معيارا أخلاقيا، ثم قاعدة سياسية، ثم التزاما لا تستطيع الحكومات التهرب منه بسهولة.
لهذا ينبغي أن نقرأ التجربة الإيرلندية بجدية. فهي تقول إن التضامن حين ينضج يصبح سياسة، وإن القانون حين يجد إرادة يصبح إجراء، وإن الدولة الصغيرة حين تملك وضوحا أخلاقيا تستطيع أن تحرج قارة كاملة. والأهم أنها تذكر العالم بأن الاستيطان ليس قدرا، وأن الأسواق ليست بريئة دائما، وأن العدالة لا تنتصر بمجرد أن تكون صحيحة، بل حين تجد من يحولها إلى فعل.
من دبلن خرجت رسالة تتجاوز حدود إيرلندا. من يعترف بأن المستوطنات غير شرعية، عليه ألا يشتري ثمارها. ومن يرفض الاحتلال في خطابه، عليه ألا يترك له باب السوق مفتوحا. أما أوروبا التي طالما تحدثت عن القيم والقانون، فقد باتت أمام اختبار واضح، إما أن تلحق بالمعنى الذي صنعته إيرلندا، أو تبقى أسيرة تناقضها القديم بين بيانات العدالة وحسابات التجارة.





شارك برأيك
ايرلندا تحول القانون الى موقف سياسي وانساني مشرف...