الضفة الغربية بين إرهاب المستوطنين وعجز السلطة... مشروع الضم يفرض وقائعه بالقوة

الضفة الغربية بين إرهاب المستوطنين وعجز السلطة... مشروع الضم يفرض وقائعه بالقوة

لم تعد الاعتداءات التي ينفذها المستوطنون في الضفة الغربية أحداثًا متفرقة أو أعمالًا فردية، بل تحولت إلى سياسة منظمة تتكامل مع المشروع الاستيطاني الذي تتبناه حكومة الاحتلال، والذي يهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، تمهيدًا لضم المزيد من الأراضي الفلسطينية وإفراغها من سكانها الأصليين.
فالاعتداءات اليومية، واتساع رقعة الاستيطان، وعمليات الهدم والتهجير، واقتحام القرى، وإحراق الممتلكات، وسرقة المواشي، ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، أصبحت جزءًا من مشهد دائم، خاصة في مسافر يطا والأغوار وجنوب الخليل واتسعت لتشمل معظم القرى الفلسطينية في الضفة الغربية شمالا و جنوبا ، وسط حماية مباشرة من جيش الاحتلال، الذي لم يعد يكتفي بحماية المستوطنين، بل يشارك في كثير من الأحيان في الاعتداءات أو يوفر لها الغطاء الأمني.
وتحذر المؤسسات الحقوقية الفلسطينية والدولية من أن ما يجري في الضفة الغربية ليس مجرد تصعيد أمني، وإنما سياسة ممنهجة تستهدف تقويض الوجود الفلسطيني، وإجبار السكان على الرحيل قسرًا، بما يفتح المجال أمام التوسع الاستيطاني وفرض السيادة الإسرائيلية على أكبر مساحة ممكنة من الأرض.
ويأتي ذلك في ظل تصاعد غير مسبوق في خطاب التحريض والعنصرية داخل المجتمع الإسرائيلي، فقد نشر المستوطن إليشاع يارد عبر منصة "إكس" دعوة صريحة لتنفيذ مزيد من الهجمات ضد الفلسطينيين وتهجيرهم من الضفة الغربية، مستندًا إلى تفسيرات دينية متطرفة، في مؤشر على أن خطاب الكراهية لم يعد هامشيًا، بل أصبح يجد مناخًا سياسيًا واجتماعيًا يشجعه ويحميه، في ظل حكومة تضم شخصيات لا تخفي دعمها للاستيطان والتهجير.
وما يزيد خطورة المشهد أن المجتمع الدولي، رغم كثرة بيانات الإدانة، ما يزال عاجزًا عن اتخاذ إجراءات عملية توقف هذه الانتهاكات أو توفر الحماية للشعب الفلسطيني، الأمر الذي يمنح الاحتلال شعورًا بالإفلات من العقاب، ويدفعه إلى المضي قدمًا في تنفيذ مشروعه الاستيطاني.
وفي المقابل، تبدو السلطة الفلسطينية منشغلة بمعارك داخلية تتعلق بتثبيت المواقع والمناصب، وإعادة ترتيب وهندسة المشهد السياسي عبر انتخابات وديمقراطية زائفة تحت حراب الاحتلال ، وتهتم على جعل اي مؤسسات منتخبة تُفصل على مقاسها، بينما تتعرض الضفة الغربية لعملية تغيير ديموغرافي وجغرافي متسارعة تهدد مستقبل الوجود الفلسطيني بأكمله.
والأكثر إثارة للاستغراب أن بعض الأصوات المحسوبة على السلطة تحاول التقليل من حجم الخطر، فتتحدث عن أن الاستيطان لم يستولِ سوى على نحو ثلاثة بالمائة من مساحة الضفة الغربية، متجاهلة أن إسرائيل تفرض سيطرة كاملة على المنطقة (ج)، التي تشكل نحو ستين بالمائة من مساحة الضفة، وتمارس فيها كل أشكال التوسع الاستيطاني، بينما تواصل اقتحام المناطق (أ) و(ب) التي نصت اتفاقيات أوسلو على خضوعها لإدارة السلطة الفلسطينية، لتثبت عمليًا أن تلك الاتفاقيات لم تعد تشكل أي قيد أمام الاحتلال.
لقد تجاوزت إسرائيل منذ سنوات كل ما ورد في اتفاق أوسلو، وأعادت احتلال الضفة الغربية عسكريًا وأمنيًا، وفرضت سيطرتها على الأرض والمعابر والحدود والموارد، بينما تواصل حكوماتها فرض الوقائع بالقوة، مستفيدة من الانقسام الفلسطيني، والصمت الدولي، والعجز الفلسطيني.
إن ما يجري اليوم في الضفة الغربية ليس مجرد توسع استيطاني، بل مشروع متكامل يستهدف تصفية القضية الفلسطينية من بوابة الأرض، عبر التهجير والإحلال وفرض السيادة الإسرائيلية على أكبر مساحة ممكنة، في الوقت الذي تتراجع فيه الأولويات الوطنية أمام حسابات السلطة الضيقة، ويغيب المشروع الفلسطيني القادر على مواجهة هذا الخطر الوجودي.
إن استمرار هذا الواقع يعني أن الفلسطينيين قد يستيقظون يومًا ليجدوا أن ما تبقى من الضفة الغربية قد تحول إلى جزر معزولة ومحاصرة، وأن مشروع الدولة الذي رُوِّج له لعقود قد انتهى عمليًا تحت جنازير الاستيطان، بينما انشغل البعض بإدارة السلطة و المصالح أكثر من انشغالهم بحماية الوطن، وعندما تصبح معركة تثبيت المناصب أهم من معركة تثبيت الإنسان على أرضه، فإن الاحتلال يكون قد حقق أحد أهم أهدافه دون أن يدفع ثمنًا حقيقيًا، ويبقى السؤال: من سيحمي ما تبقى من فلسطين إذا استمرت الأرض تُلتهم يومًا بعد يوم، بينما يكتفي العالم بالمشاهدة، وينشغل أصحاب القرار بخلافاتهم وحساباتهم الداخلية؟
لقد أثبتت الوقائع أن المشروع الاستيطاني لم يعد يقتصر على بناء المستعمرات، بل أصبح مشروعًا متكاملًا لاقتلاع الفلسطيني من أرضه وإعادة رسم الخريطة السياسية والديموغرافية للضفة الغربية بالقوة، وما يجري اليوم ليس مجرد انتهاكات متفرقة، وإنما تنفيذ متدرج لخطة الضم والتهجير، في ظل حكومة إسرائيلية لا تخفي أهدافها، وصمت دولي يرقى إلى مستوى الشراكة بالعجز، وواقع فلسطيني رسمي ما زال يراهن على مسار سياسي لفظ الاحتلال أنفاسه الأخيرة منذ سنوات، وبينما تنشغل السلطة بصراعات النفوذ، وترتيب المناصب، وإعادة إنتاج مؤسساتها، يواصل الاحتلال فرض وقائع لا يمكن التراجع عنها، حتى باتت المنطقة (ج) تحت سيطرة إسرائيلية كاملة، ولم تعد حتى المناطق المصنفة (أ) و(ب) بمنأى عن الاقتحامات والعمليات العسكرية اليومية والاستيطان وإذا استمر هذا النهج، فإن الخطر لن يكون ضياع أجزاء جديدة من الضفة الغربية فحسب، بل ضياع المشروع الوطني برمته، لأن الأوطان لا يحميها التنسيق ولا البيانات ولا الأوهام السياسية، وإنما تحميها الإرادة الوطنية، ووحدة الصف، والتمسك بحق الشعب في أرضه، قبل أن يصبح الحديث عن الدولة الفلسطينية مجرد ذكرى في كتب التاريخ.

14 مشاهدة
0 تعليق
اسماعيل جمعه الريماوي

بقلم

اسماعيل جمعه الريماوي

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

الضفة الغربية بين إرهاب المستوطنين وعجز السلطة... مشروع الضم يفرض وقائعه بالقوة