كلما ظن الناس أن قاموس الوهم السياسي قد استُنفد، خرج من يثبت أن المخيلة قادرة دائماً على إنتاج مزيد من الأوهام. وآخرها الدعوة إلى "مخاطبة الجمهور الإسرائيلي"، وكأن الفلسطينيين خسروا لأنهم لم يحسنوا اختيار الكلمات واختيار اليات التواصل ، لا لأنهم يواجهون مشروعاً استيطانياً قائماً على القوة وفرض الوقائع.
صاحبة هذا الطرح لا تبدو منفصلة عن الواقع فحسب، بل تبدو أسيرة خطاب تجاوزه الزمن. تتحدث عن "الجمهور" وكأنه ينتظر رسالة وجدانية تغير قناعاته، بينما الوقائع على الأرض تقول إن هذا الجمهور يعيد، في كل استحقاق سياسي، منح ثقته لمن يوسعون الاستيطان ويعمقون الاحتلال ويغلقون أي أفق لقيام دولة فلسطينية.
أي جمهور تريد مخاطبته؟ الجمهور الذي مر بمعظمه عبر المؤسسة العسكرية، أو الجمهور الذي لم تمنعه عقود من اللقاءات والمفاوضات والمبادرات من الانزياح أكثر نحو اليمين؟ أم جمهور المستوطنات الذي يرى في الأرض الفلسطينية حقاً مكتسباً لا جريمة سياسية؟ وإذا كانت صناديق الاقتراع تعيد إنتاج المشهد نفسه في كل مرة، فبأي منطق يستمر الرهان على جمهور حسم خياراته منذ زمن؟
الأخطر من التصريح نفسه، أن المؤسسة السياسية التي تنتمي إليها لم تجد فيه ما يستدعي التوقف أو المراجعة أو حتى التوضيح. وهذا يكشف أن الأزمة لم تعد أزمة شخص يطلق تصريحاً مرتبكاً، بل أزمة عقل سياسي كامل فقد القدرة على قراءة التحولات، وما زال يكرر وصفات أثبت التاريخ فشلها، ثم يطلب من الناس أن يصدقوا أن الفشل القادم سيكون مختلفاً.
ولا يمكن فصل هذا الخطاب عن طبقة سياسية واقتصادية فلسطينية تشكلت عبر سنوات طويلة، وأصبحت ترى الصراع من زاوية ما يهدد امتيازاتها أكثر مما تراه من زاوية ما يهدد المشروع الوطني. إنها البرجوازية الفلسطينية التي اعتادت إدارة الأزمة لا إنهاءها، لأن استمرار الواقع القائم، بكل تشوهاته، لم يعد يشكل خطراً على مصالحها بقدر ما يشكل أي تغيير حقيقي تهديداً لنفوذها ومكاسبها.
هذه الطبقة لم تعد تقيس النجاح الوطني بقدر ما تقيس استقرار مواقعها. ولذلك، كلما تعثرت رهاناتها السياسية، أعادت إنتاج الخطاب ذاته، لأنه الأقل كلفة عليها. أما الكلفة الحقيقية، فيدفعها الفلسطيني الذي يخسر أرضه، ويُهدم منزله، ويُعتقل أبناؤه، ويعيش تحت الاحتلال، بينما تستمر النخبة في إدارة الفشل بوصفه سياسة، وتسويق الوهم بوصفه حكمة.
المفارقة أن هذه النخبة تطالب شعبها دائماً بالواقعية، بينما هي أكثر من يعيش خارج الواقع. تتحدث عن اختراقات سياسية، فيما الأرض تُبتلع، والاستيطان يتوسع، والوقائع تُفرض كل يوم، وكأن كل ذلك لا يكفي لإعلان وفاة هذا النهج.
من حق الفلسطيني أن يسأل أصحاب هذه الطروحات سؤالاً واحداً لا يستطيعون الهروب منه. ماذا حقق هذا الخطاب طوال العقود الماضية؟ أين ثماره؟ أين إنجازاته؟ أين ذلك "الجمهور" الذي قيل لنا إنه ينتظر فقط من يخاطبه؟
هناك نخبة سياسية تعيش على إعادة تدوير الهزائم. كلما سقط رهان، أعادت تسويقه بعنوان جديد. لا مراجعة، لا نقد ذاتي، لا محاسبة، فقط إصرار عجيب على بيع الوهم باعتباره رؤية، والعجز باعتباره حكمة، والإنكار باعتباره اعتدالاً.
حين يصبح الإفلاس السياسي مجرد وجهة نظر، وتتحول الأوهام إلى برامج عمل، فإن المشكلة لا تعود في التصريحات، بل في العقول التي ما زالت تنتجها، وفي المؤسسات التي تمنحها المنابر، وفي القيادات التي تصمت عنها لأنها لم تعد تملك بديلاً سوى إعادة تدوير الفشل.
إن القضية الفلسطينية لا تحتاج إلى مزيد من الخطب الحالمة، بل إلى قدر من الصدق مع الناس. أما الإصرار على إنعاش الأفكار التي لفظها الواقع منذ سنوات، فليس اجتهاداً سياسياً، بل تعبير عن أزمة نخبة انفصلت عن شعبها، وأصبحت ترى الوطن من نافذة المصالح لا من بوابة التحرر. وحين تتحول السياسة إلى حماية للامتيازات، يصبح الوهم هو البرنامج، ويصبح الشعب وحده من يدفع ثمن الهزيمة مرة بعد أخرى.





شارك برأيك
مخاطبة الجمهور الإسرائيلي... ام مخاطبة الوهم