انتخابات تُعمّق الأزمة بدل حلها

إن الدعوة إلى انتخابات للمجلس التشريعي وحده، مع تأجيل الانتخابات الرئاسية وانتخابات المجلس الوطني، ليست مجرد ترتيب فني أو جدولة إدارية للعملية الانتخابية، بل هي خيار سياسي ودستوري بالغ الدلالة. فهي تعكس نزعة إلى تجزئة الشرعية الفلسطينية بدل تجديدها، وإلى إدارة الأزمة بدل حلها، وإلى استخدام صندوق الاقتراع بصورة انتقائية لا بوصفه آلية شاملة لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني.

من حيث الشكل، قد تبدو انتخابات المجلس التشريعي خطوة إيجابية بعد سنوات طويلة من التعطيل. فالمجلس التشريعي هو السلطة التشريعية المنتخبة، ووجوده الطبيعي يفترض أن يعيد شيئاً من التوازن بين السلطات، ويضع حداً لحالة الحكم بالمراسيم والقرارات بقانون. غير أن خطورة الفكرة تكمن في أنها تفصل بين ثلاث شرعيات مترابطة ، شرعية التشريع، وشرعية الرئاسة، وشرعية التمثيل الوطني العام. فإذا جرى انتخاب التشريعي وحده، بينما بقيت الرئاسة مؤجلة، وبقي المجلس الوطني مؤجلاً أو مجتزأ التكوين، فإن النتيجة لن تكون إصلاحاً دستورياً كاملاً، بل إعادة ترتيب جزئية داخل بنية مختلة أصلاً.

دستورياً، لا يمكن النظر إلى المجلس التشريعي بمعزل عن الرئاسة. فالقانون الأساسي الفلسطيني يقرر أن الشعب مصدر السلطات، ويمارسها عن طريق السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية على أساس مبدأ الفصل بين السلطات. كما ينص على أن رئيس السلطة الفلسطينية ينتخب انتخاباً عاماً ومباشراً من الشعب الفلسطيني، وأن مدة الرئاسة أربع سنوات، ولا يجوز أن يشغل الرئيس المنصب أكثر من دورتين متتاليتين وفق تعديل المادة 36. ومن ثم، فإن تجديد المجلس التشريعي وحده مع تأجيل الانتخابات الرئاسية يعني إبقاء مركز السلطة التنفيذية خارج الاختبار الشعبي، في الوقت الذي يُطلب فيه من الشعب أن يجدد مؤسسة تشريعية فقط. وهذا يخلق خللاً بنيوياً في التوازن الدستوري بين السلطات، لأن سلطة تشريعية منتخبة حديثاً ستقابلها رئاسة لم تُجدد عبر الصندوق في التوقيت نفسه.

وهنا يظهر الخلل الدستوري الأعمق، إن الانتخابات ليست منحة سياسية من الرئيس ولا أداة يختار توقيتها ومداها وفق تقدير السلطة القائمة، بل هي حق دستوري دوري للشعب. فإذا جرى فتح باب انتخاب مؤسسة واحدة وتأجيل مؤسسة أخرى، من دون معيار دستوري واضح وملزم، فإن السلطة تكون قد انتقلت من تنظيم العملية الانتخابية إلى التحكم في نطاقها. والفرق جوهري بين أن ينظم الرئيس الانتخابات وفق القانون، وبين أن يجزئ الشرعيات الدستورية فيختار ما يُعرض على الشعب وما يُحجب عنه.

وتكمن إحدى الثغرات القانونية في أن الانتخابات المجتزأة تخلق وضعاً غير منسجم مع فلسفة القانون الأساسي. فالنظام الدستوري الفلسطيني، رغم خصوصيته الانتقالية، يقوم على علاقة متوازنة بين رئاسة منتخبة ومجلس تشريعي منتخب. فإذا جرى انتخاب المجلس وحده، فإن الشعب يمارس جزءاً من سيادته ويُمنع عملياً من ممارسة الجزء الآخر المتصل باختيار رئيس السلطة التنفيذية. وهذا لا يشكل فقط نقصاً سياسياً، بل مساساً بجوهر مبدأ الشعب مصدر السلطات.

أما الثغرة الثانية فتتمثل في تعديل قواعد العملية الانتخابية قبل الدعوة إلى الاقتراع. فعندما تُعدل شروط الترشح، ونسبة الحسم، وعدد المقاعد، ومتطلبات الالتزام السياسي، ثم تُدعى القوى إلى انتخابات في ظل هذه القواعد الجديدة، فإن السؤال الدستوري يصبح مشروعاً، هل نحن أمام تنظيم محايد للانتخابات، أم أمام إعادة تصميم مسبقة للحقل الانتخابي؟ فالديمقراطية لا تبدأ يوم الاقتراع، بل تبدأ من عدالة القاعدة القانونية التي تحكم الترشيح والتمثيل والمنافسة. وقانون الانتخابات العامة يعرف الناخب بأنه من له الحق في انتخاب الرئيس أو أعضاء المجلس، ويعرف المرشح في إطار انتخابات منصب الرئيس أو عضوية المجلس، بما يؤكد أن فكرة الانتخابات العامة ليست بطبيعتها محصورة في التشريعي وحده.

والثغرة الثالثة هي أن شرط الالتزام السياسي المسبق، ولا سيما الالتزام بمنظمة التحرير وبرنامجها السياسي، قد يتحول من شرط وطني جامع إلى أداة إقصاء انتخابي. فمن حيث المبدأ، لا خلاف على مركزية منظمة التحرير في التمثيل الفلسطيني، لكن تحويل الالتزام السياسي إلى شرط لقبول الترشح يثير إشكالية دستورية حول حرية المنافسة السياسية وحق الشعب في الاختيار بين برامج مختلفة. فالانتخابات لا تكون حرة إذا جرى تضييق مداها مسبقاً بحيث لا يدخلها إلا من قبل بالسقف السياسي الموضوع من السلطة القائمة.

والثغرة الرابعة تتعلق بالجهة التي تملك تفسير النزاع الانتخابي والدستوري. ففي ظل الانقسام، وتعطل الحياة البرلمانية لسنوات، وتراكم القرارات بقانون، يصبح غياب مرجعية قضائية دستورية تحظى بإجماع وطني عام مشكلة كبرى. فإذا وقع خلاف حول أهلية قائمة، أو دستورية شرط ترشح، أو قانونية تأجيل الرئاسة، أو العلاقة بين التشريعي والمجلس الوطني، فمن يملك حسم النزاع؟ إن العملية الانتخابية التي لا تقوم على ضمانة قضائية مستقلة ومتفق عليها قد تنتج أزمة شرعية جديدة بدل أن تنهي الأزمة القائمة.

والثغرة الخامسة تتمثل في الخلط بين شرعية السلطة الفلسطينية وشرعية منظمة التحرير. فالمجلس التشريعي مؤسسة مرتبطة بالسلطة الفلسطينية وبنطاقها القانوني والسياسي المحدود، بينما المجلس الوطني هو السلطة العليا في منظمة التحرير، وهو الذي يضع سياسة المنظمة ومخططاتها وبرامجها. والنظام الأساسي لمنظمة التحرير يقرر أن أعضاء المجلس الوطني ينتخبون بالاقتراع المباشر حيث أمكن ذلك. لذلك، فإن اعتبار نتائج انتخابات المجلس التشريعي مدخلاً بديلاً أو جزئياً لتكوين المجلس الوطني لا يعالج أزمة التمثيل الوطني، بل قد يزيدها تعقيداً، لأن المجلس الوطني يفترض أن يمثل الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، لا فقط الجسم الانتخابي الخاضع لانتخابات السلطة الفلسطينية.

والثغرة السادسة، وهي من أخطر الثغرات الدستورية المركبة، تتمثل في شرط استقالة عضو المجلس التشريعي إذا أراد الترشح لرئاسة السلطة الفلسطينية. فهذا الشرط قد يبدو، في ظاهره، متصلاً بمنع الجمع بين عضوية السلطة التشريعية ورئاسة السلطة التنفيذية، وهو أمر يمكن تبريره بمبدأ الفصل بين السلطات. غير أن خطورته تظهر عند ربطه بالنظام الانتخابي للمجلس الوطني، حيث يصبح عضو المجلس التشريعي عضواً حكمياً في المجلس الوطني. فإذا كان الطريق العملي لتمثيل فلسطينيي الداخل في المجلس الوطني يمر عبر عضوية المجلس التشريعي، ثم أُلزم عضو التشريعي بالاستقالة قبل الترشح للرئاسة، فإن المرشح الرئاسي يخسر، بحكم الاستقالة، مدخله إلى المجلس الوطني أيضاً.

وهنا لا نكون أمام تنظيم عادي لشروط الترشح، بل أمام تعارض بنيوي بين مسارين دستوريين، مسار رئاسة السلطة الفلسطينية، ومسار عضوية المجلس الوطني المؤهل لاحقاً لدخول اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير. فالمرشح من الداخل لا يستطيع أن يحافظ على عضويته في التشريعي لأنها تمنعه من الترشح للرئاسة، ولا يستطيع في الوقت نفسه دخول المجلس الوطني إلا من بوابة التشريعي، لأن عضويته في المجلس الوطني مكتسبة حكماً من عضويته في المجلس التشريعي. وبذلك يتحول القانون إلى دائرة مغلقة، من يريد رئاسة السلطة يجب أن يخرج من التشريعي، ومن يخرج من التشريعي يفقد، عملياً، طريقه إلى المجلس الوطني، ومن لا يكون عضواً في المجلس الوطني لا يستطيع أن يكون جزءاً من البنية القيادية العليا لمنظمة التحرير.

هذا الخلل لا يمس شخصاً بعينه، بل يمس منطق النظام السياسي الفلسطيني كله. فهو قد يؤدي إلى فصل قسري بين رئاسة السلطة الفلسطينية ورئاسة منظمة التحرير، لا نتيجة خيار دستوري مدروس، بل نتيجة تصادم غير محسوب بين قوانين انتخابية متداخلة. وقد أشار تحليل قانوني منشور حديثاً إلى أن شرط الترشح لرئاسة السلطة يتطلب ألا يكون المرشح عضواً في المجلس التشريعي أو أن يستقيل قبل الترشح، بينما يتطلب الوصول إلى رئاسة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير أن يكون الشخص عضواً في المجلس الوطني، وأن أعضاء التشريعي المنتخبين من الداخل يشغلون عضوية المجلس الوطني حكماً. وبذلك تنشأ ثغرة تجعل الجمع بين رئاسة السلطة ومنظمة التحرير متعذراً في ظل البنية القانونية الحالية.

والأخطر أن هذه الثغرة تضرب مبدأ المساواة السياسية بين الفلسطينيين في الداخل والشتات. فالفلسطيني المقيم في الداخل، إذا أراد الترشح للرئاسة، قد يُجبر على الخروج من التشريعي، وبالتالي من المجلس الوطني، بينما يبقى طريق العضوية في المجلس الوطني متاحاً لغيره من بوابات أخرى. وهذا يخلق تمييزاً غير مباشر بين المرشحين، ويجعل أهلية القيادة الوطنية العليا مرتبطة بتركيب قانوني متناقض لا بإرادة الناخبين. كما أن لجنة الانتخابات المركزية نشرت أن تعديل 2026 رفع عدد نواب المجلس التشريعي إلى 200 نائب، وأدخل شروطاً سياسية على المرشحين، وهو ما يعزز الإشكال حين تصبح عضوية التشريعي ليست مجرد مقعد برلماني، بل بوابة حكمية إلى المجلس الوطني أيضاً.

ومن ثم، فإن اشتراط الاستقالة من التشريعي قبل الترشح للرئاسة، في ظل اعتبار أعضاء التشريعي أعضاء حكميين في المجلس الوطني، ينتج خللاً دستورياً مزدوجاً، فهو من جهة يضيّق حق الترشح للرئاسة، ومن جهة ثانية يقطع صلة المرشح بالمجلس الوطني، أي بالإطار التمثيلي الأعلى لمنظمة التحرير. وهذه ليست ثغرة إجرائية، بل عيب في هندسة النظام الانتخابي، لأنه يجعل ممارسة حق دستوري، وهو الترشح للرئاسة، سبباً لفقدان أهلية وطنية أخرى، وهي عضوية المجلس الوطني.

سياسياً، يمكن قراءة انتخاب التشريعي أولاً بوصفه محاولة لقياس موازين القوى قبل الذهاب إلى المعركة الرئاسية. فالبرلمان يكشف حجم الفصائل والقوائم والشخصيات المستقلة، ويحدد قوة المعارضة، ويمنح القيادة القائمة فرصة لإعادة التموضع قبل فتح ملف الرئاسة. وبذلك تتحول الانتخابات التشريعية إلى مختبر سياسي لا إلى محطة تجديد وطني شامل. وهذا يضعف الثقة الشعبية، لأن الناخب لا يشعر بأنه يشارك في إعادة بناء النظام، بل في حلقة واحدة من مسلسل مؤجل النهايات.

والأخطر أن هذا المسار قد يحول الانتخابات من حق سيادي للشعب إلى أداة انتقائية بيد السلطة. فالمبدأ الدستوري في أي نظام ديمقراطي لا يقوم على أن السلطة تختار أي شرعية تُجدد وأي شرعية تُؤجل، بل على أن الشعب هو مصدر الشرعيات كلها. وعندما تُجزأ الانتخابات وفق اعتبارات سياسية، فإننا لا نكون أمام عملية ديمقراطية مكتملة، بل أمام هندسة سياسية للنتائج والمخاطر. فالانتخابات الرئاسية هي الامتحان الأكبر للشرعية، لأنها تفتح سؤال القيادة والمسؤولية السياسية المباشرة. أما تأجيلها، فيبعث برسالة مفادها أن السلطة تريد برلماناً جديداً، لكنها لا تريد اختباراً شعبياً مباشراً لموقع الرئاسة.

ومن زاوية المجلس الوطني، فإن تأجيل انتخابه، أو ربطه جزئياً بنتائج المجلس التشريعي، يطرح إشكالية تمثيلية أعمق. فالمجلس الوطني ليس برلماناً محلياً للسلطة الفلسطينية، بل هو الإطار الأعلى لمنظمة التحرير، ويفترض أن يعبر عن الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات. ومن ثم، فإن تجديد التشريعي لا يمكن أن يكون بديلاً عن إصلاح منظمة التحرير ولا عن إعادة بناء مجلسها الوطني على أساس تمثيلي جامع للكل الفلسطيني.

إن المسار السليم كان يقتضي الذهاب إلى رزمة انتخابية واحدة أو جدول ملزم ومتقارب زمنياً، تشريعية، رئاسية، ومجلس وطني، ضمن ضمانات قانونية ورقابية واضحة. أما تجزئة الانتخابات، وفتح باب التشريعي مع تأجيل الرئاسة والمجلس الوطني، فيرسخ الانطباع بأن السلطة لا تريد إعادة بناء النظام السياسي بقدر ما تريد إعادة ضبطه. والفرق كبير بين الإصلاح بوصفه تفويضاً شعبياً جديداً، والإصلاح بوصفه إدارة محكمة للأزمة.

وعليه ، فإن الدعوة إلى انتخابات تشريعية فقط ليست خطأ إجرائياً بسيطاً، بل خلل في فلسفة الشرعية ذاتها. فهي تمنح الشعب نصف حقه، وتطلب منه أن ينتظر النصف الآخر إلى أجل سياسي غير مضمون. وهي تعيد بعض الحياة إلى المؤسسة التشريعية، لكنها تترك رأس النظام السياسي خارج الامتحان الشعبي المباشر. وفوق ذلك، فإنها تخلق ثغرات دستورية مركبة، أخطرها أن عضو التشريعي، بما يملكه حكماً من عضوية في المجلس الوطني، قد يُجبر على الاستقالة إذا أراد الترشح للرئاسة، فيخسر بذلك بوابته إلى المجلس الوطني، ويُدفع النظام السياسي إلى فصل مصطنع بين رئاسة السلطة ورئاسة منظمة التحرير.

لذلك، فإن النقد الجوهري لهذه الفكرة لا ينطلق من رفض الانتخابات، بل من رفض تحويل الانتخابات إلى عملية مجتزأة ومتناقضة داخلياً. المطلوب ليس صندوق اقتراع واحداً يُستخدم لترميم الواجهة، بل عملية ديمقراطية شاملة تعيد بناء الشرعية الفلسطينية من القاعدة إلى القمة مجلس تشريعي منتخب، ورئيس منتخب، ومجلس وطني يمثل الفلسطينيين جميعاً. وما دون ذلك سيبقى أقرب إلى إدارة سياسية للشرعية، لا إلى تجديدها.

234 مشاهدة
0 تعليق
جمال عبيد فاخوري

بقلم

جمال عبيد فاخوري

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

انتخابات تُعمّق الأزمة بدل حلها