شرق أوسط جديد ...أم وهم القوة !!

قبل أن نناقش شعار “الشرق الأوسط الجديد”، يجب أن نتوقف عند الاسم نفسه. من سمى هذه المنطقة “الشرق الأوسط”؟ شرق بالنسبة إلى من؟ وأوسط بين ماذا وماذا؟ الاسم ليس وصفا بريئا للجغرافيا، بل أثر من آثار النظر الإمبراطوري إلى العالم. فالمنطقة التي عرفها أهلها بأسمائها الحية، مصر، الشام، العراق، الجزيرة، فارس، الأناضول، وادي النيل، المغرب والمشرق، أعاد الآخرون تسميتها من موقعهم هم، فجعلوها “شرقا” لأنهم نصبوا أنفسهم مركزا، وجعلوها “أوسط” لأنها تقع في قلب طرق التجارة والنفوذ والأساطيل، بين قناة السويس والخليج، وبين المتوسط والهند، وبين مصالح القوى الكبرى أكثر مما تقع بين شعوبها وذاكرتها.

من هنا، فإن عبارة “شرق أوسط جديد” لا تأتي عادة من حلم شعبي داخلي، بل من عقل استراتيجي خارجي يريد إعادة ترتيب المنطقة وفق خرائط الأمن والمصالح. وحين يكرر بنيامين نتنياهو هذه العبارة، مرة وهو يحمل خريطة في الأمم المتحدة، ومرة وهو يتحدث عن حرب ستغير وجه المنطقة، يصبح السؤال ضروريا... أي شرق أوسط جديد يمكن أن يولد من القنابل؟ وأي تغيير تصنعه الصواريخ سوى تغيير شكل الركام ومساحة الألم؟

إن نتنياهو يتوهم أنه غير الشرق الأوسط لأنه يرى المنطقة من شاشة غرفة عمليات. يرى الأهداف ولا يرى الذاكرة، يرى الجبهات ولا يرى الحضارات، يرى الخرائط العسكرية ولا يرى خرائط اللغة والدين والأسواق والمقامات والمدن القديمة. لكن المنطقة ليست هدفا عسكريا كبيرا، وليست مجموعة نقاط على خريطة أمنية. إنها طبقات من التاريخ، من النيل إلى الرافدين، ومن المتوسط إلى الخليج، ومن صحراء الجزيرة إلى جبال الأناضول وفارس. هذه المنطقة لا تولد من جديد بقرار سياسي، ولا تموت بضربة جوية، ولا يعاد تشكيلها لأن زعيما عابرا أعلن ذلك في خطاب.

الحروب تغير كثيرا، لكنها لا تغير كل شيء. قد تسقط حكومة، وقد تنهار مدينة، وقد تتبدل التحالفات، وقد ترسم الدماء خطوطا جديدة في الوجدان. لكن الحضارات لا تنتهي بهذا المعنى الساذج.
هل انتهت مصر حين انتهت الأسر الفرعونية؟ لم تنته، بل تحولت، ولبست وجوها جديدة، فرعونية ويونانية وقبطية وعربية وإسلامية ومتوسطية وإفريقية. وهل انتهت اليونان حين دخلت تحت سلطان روما؟ لم تنته، بل عبرت فلسفتها ولغتها وفنونها إلى روما وبيزنطة والعرب وأوروبا الحديثة. وهل انتهت الهند مع الغزوات والإمبراطوريات المتعاقبة؟ لم تنته، بل بقيت فضاء حضاريا هائلا، تتعدد فيه اللغات والأديان والطقوس والفلسفات.

الحضارات لا تموت كما تموت الجيوش في المعارك. إنها تنكسر أحيانا، تتراجع، تنام في طبقات عميقة، تختبئ في الريف، في الأغنية، في المطبخ، في الأمثال، في أسماء الأطفال، في طقوس الزواج والدفن، ثم تعود. الذي ينتهي غالبا هو الاحتلال أو مشروع الاحتلال أو وهم المحتل . أما الشعوب، فتدفع الثمن وتبقى مثخنة نعم... غاضبة نعم.. مجروحة نعم.. لكنها تبقى.

لذلك، فإن ادعاء تغيير الشرق الأوسط بالقوة العسكرية يحتاج إلى تفكيك، بأي معنى تغيرت المنطقة؟ هل تغيرت لأن أحياء كاملة في غزة سويت بالأرض؟ هل تغيرت لأن الخوف اتسع من لبنان إلى سوريا واليمن وإيران؟ هل تغيرت لأن الجغرافيا امتلأت بالجبهات والتهديدات؟ هذا ليس تغييرا، بل تخريب. الحرب تستطيع أن تغير شكل الأبنية، لكنها لا تصنع شرعية. تستطيع أن تفرض صمتا مؤقتا، لكنها لا تخلق قبولا تاريخيا. تستطيع أن تربك موازين القوى، لكنها لا تبني نظاما إقليميا عادلا.

الفرق كبير بين أن تغير وجه مدينة بالركام، وأن تغير روح منطقة بالعدل. الأول فعل عسكري، والثاني فعل حضاري. الأول يقدر عليه السلاح، والثاني لا يقدر عليه إلا مشروع سياسي وأخلاقي يعترف بحقوق الناس وكرامتهم وذاكرتهم. وما لم يتحقق العدل للفلسطينيين، وما لم يتحول الأمن من امتياز لدولة واحدة إلى حق متبادل لكل شعوب المنطقة، فلن يكون هناك شرق أوسط جديد، بل نسخة أشد قسوة من الشرق الأوسط القديم، خوف، حصار، تهجير، سباق تسلح، وثأر يورث جيلا بعد جيل.

الشرق الأوسط لا يتغير حين تقصف غزة، بل ينكشف. تنكشف هشاشة القانون الدولي، وانتقائية الضمير العالمي، وعجز المؤسسات، وحدود الخطاب الأخلاقي حين يصطدم بالمصالح. ولا يتغير حين تقصف الضاحية أو دمشق أو الحديدة أو طهران، بل ينكشف أن المنطقة لم تغادر بعد زمن الخرائط المفروضة والتحالفات القلقة والحدود المشتعلة. ما يجري ليس ولادة نظام جديد، بل عودة مكشوفة إلى منطق القوة العارية.

لكن المنطقة علمت التاريخ درسا متكررا لا أحد يملك الشرق من خارجه... لا احد يملك الشرق من خارجه ... يستطيع أن يحتله، أن يقصفه، أن يقسمه، أن ينهب موارده، أن يزرع قواعده، لكنه لا يستطيع أن يمتلك روحه. لأن هذه الروح أقدم من القدم نفسه ، وأعمق من كل التحالفات ، وأوسع من خطاب أي زعيم واي محتل .

ليس كل من هدم مدينة صنع تاريخا. وليس كل من انتصر في معركة أسس حضارة. وليس كل من أرعب خصومه أقنعهم... لذلك فإن الرد على وهم نتنياهو ليس إنكارا لتأثير الحرب، فالحروب تؤثر وتدمر وتبدل حسابات الدول. الرد الأعمق هو التمييز بين التغيير والتخريب... قد ينجح القصف في فرض صمت مؤقت، لكنه لا ينجح في كتابة نهاية الشعوب.

كل إمبراطورية عابرة جاءت إلى هذه المنطقة بلغة متشابهة. قالت إنها جاءت لتنظم الفوضى، أو تنشر الحضارة، أو تجلب الأمن، أو تفتح عصرا جديدا. ثم مضت، وبقيت المنطقة. مر الفرس واليونان والرومان والمغول والعثمانيون والإنجليز والفرنسيون، وبقيت الذاكرة أوسع من الجيوش.

أما الشرق الأوسط الجديد الذي يستحق اسمه، فلن يولد من يد الجنرالات وحدهم. سيولد حين يصبح الفلسطيني إنسانا كامل الحقوق لا ملفا أمنيا... ويعود الى دياره وارضه ويقرر مصيره ويقيم دولته ... حين تكف المنطقة عن كونها ممرا لمصالح الآخرين وتصبح مركزا لذاتها بابنائها.

الشرق الأوسط، باسمه المفروض وحضاراته الأصلية، أكبر من أن يختصره نتنياهو في حرب. أقدم من أن يعلن ميلاده فوق أنقاض مدينة. وأعمق من أن تغيره الطائرات إلا على السطح....

في العمق، هناك ما لا تبلغه القنابل، ذاكرة النيل، وطين الرافدين، وحروف الفينيقيين، وكتب بغداد، وكنائس المشرق، ومآذن القدس ودمشق وبيروت والقاهرة، وأسواق حلب، وموانئ صور وصيدا ويافا وحيفا والإسكندرية، وصلوات الناس في كل لغة.

العابرون يتوهمون أنهم يغيرون الشرق. لكن الشرق، في النهاية، هو الذي يبتلع أسماء العابرين، ويحولهم إلى هوامش في كتاب طويل.

322 مشاهدة
1 تعليق
جمال عبيد فاخوري

بقلم

جمال عبيد فاخوري

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

شرق أوسط جديد ...أم وهم القوة !!