في المطار تبدو السياسة بعيدة للوهلة الأولى. مسافر يحمل حقيبته، بطاقة صعود إلى الطائرة، شاشة تعلن الرحلات، وطائرة تستعد للإقلاع نحو مدينة أوروبية أو منها. كل شيء يبدو إدارياً، تجارياً، عادياً. لكن خلف هذه الحركة اليومية توجد اتفاقيات، وحقوق تشغيل، وفتح أسواق، وقواعد سلامة، وتسهيلات تمنحها الدول لبعضها بعضاً. فالطائرة لا تعبر السماء بقرار شركة طيران فقط، بل بموجب إطار قانوني وسياسي يفتح لها المجال ويمنحها حق الوصول.
ومن بين هذه الأطر، تبرز اتفاقية الطيران الأوروبية المتوسطية بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، المعروفة سياسياً وإعلامياً باتفاقية الأجواء المفتوحة. هذه الاتفاقية لم تكن مجرد ترتيب فني بين سلطات طيران. لقد فتحت سوق الطيران بين الطرفين بصورة واسعة، وسمحت لشركات الطيران الأوروبية والإسرائيلية بتسيير رحلات مباشرة بين مطارات الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، وعمقت اندماج إسرائيل في مجال تنظيمي أوروبي حساس يقوم على قواعد السلامة والأمن والمنافسة وإدارة الحركة الجوية.
وهنا يبدأ السؤال السياسي والقانوني... هل يمكن أن تستفيد إسرائيل من انفتاح الأجواء الأوروبية، بينما تستمر في تقييد حرية حركة الفلسطينيين، ومنع الوفود الحقوقية والنقابية والمتضامنين الاوروبيين من الوصول إلى فلسطين، أو إخضاعهم للاستجواب والمنع والإهانة !!! هل تكون السماء مفتوحة أمام الشركات والامتيازات، بينما تبقى الأرض مغلقة أمام شعب واقع تحت الاحتلال !!!
ليست اتفاقية الطيران مجرد مسألة رحلات أرخص أو وجهات أكثر. إنها امتياز اقتصادي وتنظيمي كبير. ففتح الأجواء يعني توسيع السوق، وزيادة الحركة السياحية، وتسهيل انتقال الأفراد، وتقوية الارتباط الاقتصادي. وكل ذلك ينعكس على الشركات، والمطارات، والسياحة، والاستثمار، وصورة الدولة المستفيدة من الاتفاقية. ومن هنا، لا يجوز التعامل مع هذا النوع من الاتفاقيات باعتباره محايداً تماماً أو منفصلاً عن السلوك السياسي للدولة التي تستفيد منه.
إن مبدأ المعاملة بالمثل يجب أن يكون في قلب هذا الملف. فإذا كانت إسرائيل تستفيد من الوصول الواسع إلى المطارات الأوروبية والأسواق الأوروبية، فمن حق الاتحاد الأوروبي أن يسأل عن احترام حرية الحركة في الاتجاه المقابل، لا فقط لشركات الطيران، بل للأشخاص أيضاً. فالعلاقة الجوية ليست فقط مقاعد على طائرة، بل جزء من منظومة حركة أوسع يجب ألا تتحول إلى امتياز من طرف واحد.
ومن هنا، يمكن للحملة أن تطرح مطلباً واضحاً وهو فتح مراجعة سياسية وقانونية لاتفاقية الطيران الأوروبية الإسرائيلية، وربط استمرار الامتيازات الجوية باحترام قواعد المعاملة بالمثل، وعدم استخدام الحدود والمطارات والمعابر كأدوات لعزل الفلسطينيين أو منع الوصول إليهم أو معاقبة المتضامنين معهم.
هذا لا يعني بالضرورة وقف الرحلات من اليوم الأول. يمكن أن تبدأ الخطوة الأولى بطلب جلسة استماع داخل البرلمان الأوروبي حول آثار الاتفاقية، ثم مطالبة المفوضية الأوروبية بتقرير عن مدى اتساق التعاون الجوي مع الالتزامات العامة للعلاقة الأوروبية الإسرائيلية، ثم طرح الملف أمام اللجنة المشتركة المنشأة بموجب الاتفاقية، ثم اعتماد تدابير تصحيحية إذا استمرت الانتهاكات.
ولأن الطيران ملف تنظيمي حساس، فإن الضغط فيه يجب أن يكون دقيقاً. لا بد من التمييز بين سلامة الركاب، وهي أولوية لا يجوز المساس بها، وبين الامتيازات التجارية والتنظيمية التي يمكن مراجعتها سياسياً وقانونياً. فالحملة لا تدعو إلى تعريض المسافرين للخطر، ولا إلى إجراءات عشوائية، بل إلى مساءلة امتيازات السوق المفتوحة عندما تستفيد منها دولة تفرض على الأرض نظاماً واسعاً من القيود والتمييز في الحركة.
البرلمان الأوروبي يستطيع أن يفتح هذا الملف عبر أسئلة مباشرة وهي هل درست المفوضية أثر اتفاقية الطيران على العلاقة الأوسع مع إسرائيل؟ هل توجد آلية داخل الاتفاقية لمراجعة التنفيذ؟ ما دور اللجنة المشتركة؟ هل يمكن طرح ملف حرية حركة المواطنين الأوروبيين والفلسطينيين ضمن الحوار المؤسسي المتصل بالطيران؟ هل تقبل أوروبا أن تبقى الأجواء مفتوحة بلا شروط، بينما تستمر القيود على الأرض؟
كما تستطيع الحكومات الوطنية أن تطرح الملف داخل مجلس الاتحاد، لأن اتفاقيات الطيران مع دول ثالثة لا تنفصل عن السياسة الخارجية العامة للاتحاد. فإذا كان وزراء الخارجية يتحدثون عن حقوق الإنسان، ووزراء النقل يديرون امتيازات الطيران، فيجب أن يلتقي المساران في سؤال واحد هل تخدم هذه الاتفاقية سياسة أوروبية قائمة على الحقوق والقانون، أم تمنح امتيازاً إضافياً دون مساءلة؟
أما الناخب الأوروبي، فيمكن مخاطبته من زاوية قريبة جداً... الطائرة التي تقلع من مطاره المحلي ليست حدثاً تجارياً فقط، بل جزء من علاقة سياسية أوسع. فإذا كانت تلك العلاقة تمنح امتيازات، فمن حقه أن يعرف مقابل ماذا تمنح. وهل توجد شروط؟ وهل هناك مراجعة؟ وهل الحكومات التي توقع وتنفذ هذه الاتفاقيات تضمن ألا تتحول الامتيازات إلى غطاء للتطبيع مع القمع؟
إن أكثر ما يكشف ازدواجية السياسات أحياناً هو المفارقة البسيطة. يستطيع مسافر إسرائيلي أن يصل بسهولة إلى عشرات المدن الأوروبية، بينما قد يعجز فلسطيني عن الوصول إلى أرضه أو جامعته أو مستشفاه أو عائلته بسبب منظومة التصاريح والحواجز والمنع. هذه المفارقة لا يمكن أن تبقى خارج النقاش عندما نتحدث عن اتفاقيات الحركة والانفتاح.
لذلك، فإن فتح ملف الطيران لا يعني فقط مراجعة اتفاقية تقنية، بل طرح سؤال أخلاقي على أوروبا: هل يمكن أن تكون السماء مفتوحة لمن يملك الامتياز، ومغلقة فوق من يعيش تحت الاحتلال؟ وهل تكون حرية الحركة قيمة اقتصادية عندما تخدم السوق، لكنها تفقد معناها عندما تتعلق بحقوق شعب محاصر ومقيّد؟
في نهاية المطاف، اتفاقية الطيران ليست خارج الحملة، بل في قلبها. لأنها تكشف كيف تتحول الامتيازات إلى شبكة واسعة من المنافع اليومية التي تبدو طبيعية حتى نعيد ربطها بشروطها القانونية والسياسية. وإذا كانت أوروبا جادة في ربط الشراكة بالحقوق، فعليها أن تنظر أيضاً إلى المطارات والرحلات والاتفاقيات الجوية.
فالسياسة لا تبدأ فقط في البرلمانات. أحياناً تبدأ عند بوابة الصعود إلى الطائرة.
انتهى ..





شارك برأيك
اتفاقية الطيران الأوروبية الإسرائيلية وسؤال المعاملة بالمثل