قانون الانتخابات الجديد... تشريع للإقصاء وتكريس لاحتكار

قانون الانتخابات الجديد... تشريع للإقصاء وتكريس لاحتكار

لم تكن التعديلات الأخيرة على قانون الانتخابات الفلسطينية مجرد تعديلات إجرائية أو تنظيمية، بل حملت في جوهرها أبعادًا سياسية واضحة تعكس طبيعة المرحلة التي تعيشها السلطة الفلسطينية، وآلية إدارتها للحياة السياسية، فبدل أن تتجه هذه التعديلات نحو توسيع دائرة المشاركة وتعزيز التعددية، ذهبت إلى تشديد شروط الترشح بصورة غير مسبوقة، بما يثير تساؤلات جدية حول الهدف الحقيقي منها.
تاريخيًا، ارتبطت شروط الترشح بطبيعة العلاقة بين قيادة السلطة الفلسطينية وحركة حماس، فقبل عام 2007 لم يكن قانون الانتخابات يشترط على المرشحين الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية أو برنامجها السياسي، لكن بعد الانقسام الفلسطيني، ومع صدور قانون الانتخابات العامة عام 2007، أضيف شرط الاعتراف بمنظمة التحرير ممثلًا شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني، ووثيقة إعلان الاستقلال، بالنسبة لمرشحي الرئاسة والمجلس التشريعي.
وفي عام 2021، ومع أجواء التفاهمات بين حركتي فتح وحماس والاستعداد لإجراء الانتخابات التي أُلغيت لاحقًا، جرى تخفيف هذا الشرط بالنسبة لمرشحي المجلس التشريعي، حيث حُذف شرط الاعتراف بمنظمة التحرير، بينما بقي مفروضًا على مرشحي الرئاسة، في خطوة عكست آنذاك رغبة في فتح المجال أمام مشاركة أوسع للقوى السياسية.
أما تعديل عام 2026 فقد جاء ليعيد هذا الشرط بصورة أكثر تشددًا، إذ لم يعد يقتصر على الاعتراف بمنظمة التحرير ممثلًا شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني، وإنما أضيف إليه الالتزام ببرنامجها السياسي والوطني، وبقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، وهو ما يحول شرط الترشح من التزام قانوني إلى اشتراط سياسي وفكري، يفرض على المرشح تبني رؤية السلطة السياسية قبل أن يمنحه حق الترشح.
ورغم أن شرط الترشح للرئاسة بقي بصيغته القديمة، فإن المختصين يرون أن ذلك يعود إلى إغفال تشريعي أكثر منه خيارًا سياسيًا مقصودًا، وهو ما يكشف حجم الارتباك الذي رافق هذه التعديلات.
لكن الأخطر من النصوص القانونية هو الرسالة السياسية التي تحملها، فالقوانين التي تُفصل على مقاس السلطة الحاكمة وحزبها لا تبني نظامًا ديمقراطيًا، وإنما تؤسس لإقصاء المنافسين وإعادة إنتاج الاحتكار السياسي والتفرد بالسلطة ، وعندما تتحول الانتخابات إلى أداة لاستبعاد الخصوم بدل أن تكون وسيلة للتداول السلمي على السلطة، فإنها تفقد معناها الحقيقي، وتصبح مجرد غطاء شكلي لواقع سياسي مغلق.
إن استمرار سن قوانين الإقصاء، وفرض شروط سياسية لاختبار ولاء المرشحين، يعمق الانقسام الفلسطيني، ويكرس الاستفراد بالقرار الوطني، ويؤكد أن السلطة تتعامل مع مؤسسات الشعب الفلسطيني وكأنها ملكية خاصة أو مزرعة حزبية لا يحق لأحد منافستها أو المشاركة في إدارتها إلا ضمن الشروط التي تضعها ، وفي ظل هذا النهج، تصبح الانتخابات وسيلة لإعادة إنتاج السلطة نفسها، لا وسيلة لمنح الشعب حقه في اختيار من يمثله بحرية، وهو ما يبتعد تمامًا عن جوهر الديمقراطية التي يفترض أن تقوم على التعددية وتكافؤ الفرص واحترام إرادة الشعب، لا على قوانين تُكتب لإقصاء المخالفين وضمان بقاء أصحاب السلطة في مواقعهم.
إن أخطر ما في هذه التعديلات أنها لا تستهدف تنظيم العملية الانتخابية، بل إعادة هندسة المشهد السياسي بما يضمن بقاء السلطة في يد طرف واحد، عبر استخدام القانون كسلاح للإقصاء بدل أن يكون ضمانة للحقوق والحريات، فالديمقراطية لا تُقاس بعدد صناديق الاقتراع، وإنما بحرية الترشح والتنافس، وعندما يصبح القانون أداة لفرض الولاء السياسي قبل منح المواطن حقه في الترشح، فإن الانتخابات تفقد معناها وتتحول إلى مجرد آلية لتجديد شرعية الأمر الواقع.
وإذا كانت السلطة تتحدث باستمرار عن الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام، فإن أول طريق إلى ذلك ليس سن قوانين تفصل على مقاسها، بل فتح المجال أمام جميع القوى السياسية للتنافس الحر، والاحتكام إلى إرادة الشعب وحدها، أما الاستمرار في تشريع قوانين الإقصاء واحتكار القرار، فلن ينتج إلا مزيدًا من الانقسام، ويعمق أزمة الشرعية، ويؤكد أن السلطة لا تتعامل مع فلسطين باعتبارها وطنًا لجميع أبنائها، بل باعتبارها إرثًا سياسيًا خاصًا لا يجوز لأحد الاقتراب منه أو منافسة القائمين عليه.

65 مشاهدة
0 تعليق
اسماعيل جمعه الريماوي

بقلم

اسماعيل جمعه الريماوي

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

قانون الانتخابات الجديد... تشريع للإقصاء وتكريس لاحتكار