لم يعد الفساد في الأراضي الفلسطينية يقتصر على التجاوزات المالية أو الإدارية، بل تطور إلى منظومة متكاملة تتداخل فيها السياسة والأمن والاقتصاد والقضاء، لتنتج ما يمكن وصفه بـ"مافيا الفساد والانتقائية القانونية"، وهي منظومة تستخدم القانون حين يخدم مصالحها، وتتجاهله عندما يهدد نفوذها، فتتحول العدالة إلى أداة انتقائية، ويصبح المواطن العادي الحلقة الأضعف في مواجهة سلطة تمتلك القرار والتنفيذ والتأويل في آن واحد.
وتتجلى هذه الظاهرة بصورة واضحة في الاستخدام الانتقائي للقوانين والتشريعات، حيث تصدر مراسيم وقرارات بقوانين في ظل غياب المجلس التشريعي الفلسطيني واستمرار تعطيل دوره الرقابي والتشريعي، الأمر الذي منح السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة لإعادة تشكيل البيئة القانونية بما يتوافق مع احتياجاتها السياسية والأمنية، وقد انعكس ذلك في سن تشريعات تقيد حرية الرأي والتعبير، وتفرض قيوداً على التجمع السلمي وعمل مؤسسات المجتمع المدني، بينما يجري توظيف النصوص القانونية بصورة صارمة ضد النشطاء والمعارضين السياسيين والصحفيين والمواطنين، في الوقت الذي تبقى فيه ملفات الفساد الكبرى بعيدة عن المساءلة، إذا كان المتورطون فيها من أصحاب النفوذ السياسي أو الأمني أو المالي.
ولا تقف المشكلة عند حدود الانتقائية في تطبيق القانون، بل تمتد إلى ترسيخ شبكات واسعة من المحسوبية والولاءات الشخصية والحزبية، فالكفاءة لم تعد المعيار الأساسي في شغل المناصب العليا أو المواقع الدبلوماسية والأمنية والإدارية، بل أصبحت العلاقات العائلية والانتماءات السياسية والولاءات الشخصية هي الطريق الأقصر للوصول إلى مواقع القرار، وهو ما أدى إلى إضعاف المؤسسات وتحويلها إلى أدوات لخدمة مراكز القوى بدلاً من خدمة المواطنين.
كما أدى تداخل السلطة بالمال إلى نشوء طبقة من المتنفذين احتكرت قطاعات اقتصادية حيوية، واستفادت من المال العام والمساعدات الخارجية والمشاريع التنموية لتحقيق مكاسب خاصة، بينما تراجعت الرقابة الحقيقية وغابت المحاسبة الفاعلة، وفي ظل هذه البيئة، يصبح الاحتكار والتهرب الضريبي واستغلال النفوذ ممارسات شبه محصنة من المساءلة، لأن أدوات الرقابة نفسها أصبحت خاضعة لموازين القوة والنفوذ.
ويزداد المشهد خطورة عندما يمتد هذا النفوذ إلى السلطة القضائية، التي يفترض أن تكون الضامن الأخير للعدالة وسيادة القانون، فالتدخلات التنفيذية والأمنية في عمل القضاء، وعدم تنفيذ بعض الأحكام القضائية، وتمديد اعتقال المعارضين والنشطاء على ذمة التحقيق لفترات طويلة، تمثل مؤشرات خطيرة على تراجع استقلال القضاء، وتؤدي إلى إضعاف ثقة المواطنين بقدرته على حماية الحقوق والحريات.
إن أخطر ما تفرزه هذه المنظومة ليس فقط انتشار الفساد، وإنما انهيار الثقة بين المواطن المؤسسات، فعندما يشعر المواطن بأن القانون يطبق عليه وحده، بينما يتمتع أصحاب النفوذ بحصانة غير معلنة، تتحول العدالة إلى شعار فارغ، ويتراجع الإيمان بالمؤسسات الرسمية، الأمر الذي ينعكس سلباً على السلم الأهلي، ويعمق حالة الإحباط، ويضعف الجبهة الداخلية الفلسطينية في وقت هي بأمس الحاجة إلى الوحدة والتماسك.
وقد حذرت العديد من التقارير الحقوقية المحلية والدولية مراراً من تراجع أوضاع حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، ومن خطورة الانتقائية في تطبيق القانون، معتبرة أن غياب المساءلة واستمرار الإفلات من العقاب يقوض أسس الحكم ، ويمنع بناء مؤسسات ديمقراطية حقيقية تقوم على الشفافية والمساواة وسيادة القانون.
إن بناء دولة قوية لا يبدأ بإصدار المزيد من القوانين، بل بإخضاع الجميع للقانون نفسه دون استثناء، وإعادة الاعتبار لاستقلال القضاء، وإحياء المؤسسات الرقابية والتشريعية، ومحاسبة كل من يعتدي على المال العام أو يستغل منصبه مهما كانت مكانته، فالدول لا تنهار عندما يضعف اقتصادها فقط، وإنما عندما يفقد مواطنوها ثقتهم بأن العدالة تطبق على الجميع، وعندما تتحول السلطة إلى وسيلة لحماية المتنفذين بدلاً من حماية القانون.
وفي الوقت الذي ترفع فيه السلطة شعار "سيادة القانون"، وتتهم المقاومة بأنها "خارجة عن القانون" عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، والالتزامات الأمنية، وحماية المستوطنين، فإن هذا القانون نفسه يتحول إلى نص انتقائي عندما يتعلق بحقوق المواطن الفلسطيني وحرياته وكرامته، فالقانون الذي يُستدعى بسرعة لملاحقة المعارضين وتكميم الأفواه، يغيب أو يُعطل عندما يكون المطلوب محاسبة مسؤول نافذ، أو حماية المال العام والخاص، وإنصاف مواطن سُلب حقه، وهنا تكمن المعضلة الحقيقية؛ فسيادة القانون لا تعني حماية الاحتلال أو الالتزام بما يخدمه، بينما يُترك الفلسطيني بلا حماية قانونية في وطنه، فالقانون إما أن يكون سيدًا على الجميع دون استثناء، أو يتحول إلى أداة بيد السلطة تستخدمها ضد من تشاء، وتعطلها لمن تشاء، وعندما يصبح القانون انتقائيًا، فإن الحديث عن دولة المؤسسات يفقد معناه، وتصبح العدالة مجرد شعار سياسي، بينما يبقى المواطن الفلسطيني هو الضحية الأولى، وتبقى الثقة بالمؤسسات أولى ضحايا هذا النهج.





شارك برأيك
عندما يكون المواطن الضحية... بين انتقائية القانون ومافيا الفساد وغياب العدالة