بين السبق الصحفي ومسؤولية التحقق: درس مهني من خبر وفاة زياد عبد الفتاح !!
بقلم : أحمد الأغا
ضغطة زر قد تصنع خبراً عاجلاً، لكن اتصالاً واحدًا قد يمنع خطأً مهنيًا كبيرًا
هذه هي القاعدة التي تعلمناها في مدرجات الإعلام قبل أن نتعلم فن كتابة العناوين وصياغة الأخبار. فالسبق الصحفي لا يُقاس بمن نشر أولاً، بل بمن تحقّق أولاً.
في عالم تتسارع فيه الأخبار إلى حدٍّ غير مسبوق، لا يُقاس النجاح الصحفي بسرعة النشر وحدها، بل بقدرة المؤسسة الإعلامية على التحقق من المعلومة قبل وصولها إلى الجمهور. فالسبق الصحفي الحقيقي ليس أن تكون أول من ينشر الخبر، بل أن تكون أول من ينشر الحقيقة !!
شهدت الساحة الإعلامية الفلسطينية اليوم نموذجًا مهنيًا يستحق التوقف عنده، بعدما نشرت وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية "وفا" خبرًا يفيد بوفاة رئيسها الأسبق الأستاذ زياد عبد الفتاح، استنادًا إلى معلومات وردت من أحد أفراد أسرته. غير أن الوكالة عادت لاحقاً لتصدر توضيحاً رسمياً أكدت فيه عدم صحة الخبر، بعد التحقق من المعلومات، وقامت بسحب الخبر وتصويبه، متمنيةً للأستاذ عبد الفتاح موفور الصحة والعافية.
هذه الواقعة تعيد إلى الواجهة قضية جوهرية في العمل الإعلامي: هل يكفي الاعتماد على مصدر واحد، مهما كانت صلته بالحدث؟؟ أم أن الواجب المهني يقتضي التواصل المباشر مع الشخص المعني أو مع أكثر من مصدر موثوق قبل النشر؟!
لا أحد يشكك في أهمية السرعة في العمل الإعلامي، لكن السرعة عندما تتقدم على الدقة تتحول من ميزة إلى عبء مهني، فالأخبار المتعلقة بحياة الأشخاص وصحتهم ووفاتهم تحتاج إلى أعلى درجات التثبت، ولا يكفي فيها الاعتماد على المعلومات المتداولة أو على مصدر واحد مهما كانت درجة قربه من الحدث. فالهاتف ما زال أقوى من الإشاعة، والتواصل المباشر ما زال أكثر مصداقية من عشرات الرسائل المتناقلة عبر المنصات الرقمية.
لقد تعلمنا في أروقة الجامعة أن الخبر لا يكتمل إلا بعد استيفاء شروطه المهنية، وأن الصحفي الحقيقي لا يبحث عن السبق فقط، بل يبحث عن الحقيقة أولاً. وتعلمنا من أساتذتنا الكبار، وفي مقدمتهم الدكتور حاتم العسولي والدكتور سمير خليفة والدكتور رائد خضر، أن المصداقية هي رأس مال الصحفي، وأن الخبر الذي يحتاج إلى دقيقة إضافية للتحقق يستحق تلك الدقيقة مهما كانت المنافسة محتدمة.
كانوا يؤكدون دائمًا أن الصحفي المهني لا ينجرف خلف ما يُتداول، بل يعود إلى المصدر المباشر، ويتحقق من المعلومة من أكثر من جهة، لأن الخطأ في النشر لا يمس المؤسسة الإعلامية وحدها، بل يمس ثقة الجمهور التي تُبنى على مدى سنوات وقد تتضرر بخبر واحد غير دقيق.
وفي المقابل، فإن المبادرة إلى تصويب الخطأ والاعتراف به تمثل سلوكًا مهنيًا مسؤولًا يعكس احترام الجمهور والحقيقة، وهي قيمة لا تقل أهمية عن النشر ذاته، لكن الدرس الذي يجب أن يبقى حاضرًا هو أن الوقاية المهنية تبدأ قبل النشر، لا بعده.
إن الإعلام الفلسطيني، الذي يحمل مسؤولية وطنية وأخلاقية كبيرة، يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى التمسك بقواعد التحرير التي تربينا عليها أكاديميًا ومهنيًا: تحقق ثم انشر، اتصل ثم اكتب، وابحث عن الحقيقة قبل البحث عن السبق.
فالسبق الصحفي الحقيقي ليس أن تكون أول من ينشر الخبر، بل أن تكون أول من يحافظ على ثقة الناس.





شارك برأيك
بين السبق الصحفي ومسؤولية التحقق: درس مهني من خبر وفاة زياد عبد الفتاح !!