الأمانة والحفاظ على المال العام مسؤولية وطنية وقيمة إيمانية
بقلم : أحمد الأغا
تُعَدُّ الأمانة من أسمى القيم الإنسانية وأعظم الفضائل التي تقوم عليها المجتمعات المستقرة والدول المزدهرة، فهي ليست مجرد سلوك فردي محمود، بل منظومة أخلاقية متكاملة تحفظ الحقوق، وتصون المصالح، وتبني جسور الثقة بين الإنسان وربه، وبين المواطن ومؤسسات وطنه، وإذا كانت الأمانة مطلوبة في مختلف شؤون الحياة، فإن المحافظة على المال العام تُعد من أعظم صورها وأشدها خطور، لأن التفريط فيه لا يقتصر ضرره على فرد أو أسرة، وإنما يمتد أثره إلى المجتمع بأسره، ويعطل مسيرة التنمية، ويقوض أسس العدالة والإنصاف.
لقد رفع القرآن الكريم من شأن الأمانة، وجعلها من صفات المؤمنين الصادقين، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58]. وهذه الآية الكريمة تؤكد أن أداء الأمانة ليس خيارًا شخصيًا، بل أمر إلهي واجب الامتثال، يشمل كل ما اؤتمن عليه الإنسان من حقوق وواجبات وأموال ومناصب ومسؤوليات.
كما بيَّن القرآن عظمة هذه القيمة بقوله سبحانه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ﴾ [الأحزاب: 72]. فالأمانة تكليف عظيم ومسؤولية جسيمة، تحمل في طياتها معنى المحاسبة أمام الله تعالى، الأمر الذي يوجب على الإنسان أن يؤديها بإخلاص وصدق، بعيدًا عن العبث أو الاستغلال أو التهاون.
ومن أخطر صور خيانة الأمانة الاعتداء على المال العام، وهو المال الذي خُصص لخدمة المواطنين وتحقيق مصالحهم العامة، سواء تمثل في الأموال النقدية، أو الممتلكات الحكومية، أو الموارد والمعدات، أو الوقت الوظيفي الذي يتقاضى الموظف أجرًا مقابله، ولذلك حذَّر القرآن الكريم من الغلول وأكل الأموال بغير حق، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ۚ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 161]، في تصوير بليغ لعظم الذنب وشدة الحساب على التعدي على الحقوق العامة.
أما السنة النبوية الشريفة، فقد أكدت مكانة الأمانة بوصفها معيارًا للإيمان وحُسن الخُلق، فقال النبي صلَ الله عليه وسلم: «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك»، وقال أيضًأ: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له». وفي هذه التوجيهات النبوية تأكيد واضح على أن الأمانة ليست خُلُقًا تكميليًا، بل ركيزة من ركائز التدين الصحيح والسلوك القويم.
وقد ضرب النبي صلَ الله عليه وسلم أروع الأمثلة في حفظ الأمانة، حتى لُقِّب قبل البعثة بـ"الصادق الأمين"، وكان المشركون يضعون ودائعهم عنده رغم عداوتهم له، فلما هاجر إلى المدينة ترك علي بن أبي طالب رضي الله عنه في مكة ليرد الأمانات إلى أصحابها، في مشهد خالد يجسد عظمة الوفاء بالحقوق مهما كانت الظروف.
وفي واقعنا الفلسطيني، تزداد أهمية ترسيخ ثقافة الحفاظ على المال العام داخل المؤسسات الحكومية، نظراً لما يواجهه شعبنا من تحديات سياسية واقتصادية وتنموية تتطلب حسن إدارة الموارد المحدودة وتوجيهها لخدمة المواطن وتعزيز صموده، و إن كل اعتداء على المال العام، مهما بدا بسيطًا، هو انتقاص من حق مريض ينتظر العلاج، أو طالب يسعى إلى تعليم أفضل، أو أسرة تحتاج إلى خدمات أساسية كريمة.
ومن هنا، فإن تعزيز الوعي بأهمية الأمانة يتطلب تظافر الجهود بين الأسرة والمدرسة والجامعة ووسائل الإعلام والمؤسسات الدينية والرسمية، من خلال نشر ثقافة النزاهة والشفافية، وتوضيح الآثار السلبية للفساد وسوء استخدام الموارد العامة، وغرس الشعور بالمسؤولية الوطنية لدى الموظفين والمواطنين على حد سواء، كما أن الالتزام بالقوانين والأنظمة الرقابية، وتكريم النماذج المخلصة والنزيهة، يسهمان في بناء بيئة مؤسسية قائمة على الثقة والانتماء والإخلاص.
إن الأمانة ليست مجرد كلمة تُردد في الخطب والشعارات، بل ممارسة يومية وسلوك حضاري يعكس صدق الانتماء للدين والوطن، وحماية المال العام ليست مسؤولية الجهات الرقابية وحدها، وإنما واجب أخلاقي ووطني يقع على عاتق كل فرد في المجتمع، لأن الحفاظ عليه هو حفاظ على مستقبل الأجيال، وصون لمقدرات الشعب، وتجسيد حقيقي لقيم الإسلام.
وفي الختام، فإن الأمم لا تُبنى بالموارد وحدها، وإنما تُبنى بأيدٍ أمينة وضمائر يقظة تدرك أن ما بين أيديها أمانة ستُسأل عنها أمام الله والتاريخ والوطن، فلنجعل من الأمانة منهج حياة، ومن حماية المال العام واجباً مقدسًا، حتى تبقى مؤسساتنا الفلسطينية نموذجاً للنزاهة والمسؤولية، وقادرة على أداء رسالتها في خدمة المواطن وتحقيق المصلحة العامة بأفضل صورة ممكنة.





شارك برأيك
الأمانة والحفاظ على المال العام مسؤولية وطنية