هل نمتلك الشجاعة لإنقاذ فلسطين قبل فوات الأوان؟

ليست أخطر ما تواجهه فلسطين اليوم آلة الحرب وحدها، ولا مشاريع التهجير والتصفية فحسب، بل أخطر ما يهددها أن يبقى البيت الفلسطيني منقسمًا بينما تتسارع التحولات الإقليمية والدولية من حوله بلا انتظار لأحد.

لقد دفعت القضية الفلسطينية ثمنًا باهظًا للانقسام السياسي، حتى بات العالم يرى شعبًا يملك قضية عادلة، لكنه عاجز عن توحيد صوته وقراره وأدواته الوطنية، وهنا تكمن المأساة الحقيقية: أن نخسر قوتنا بأيدينا، بينما يحتاج شعبنا اليوم إلى جبهة وطنية موحدة أكثر من أي وقت مضى.

إن انعقاد انتخابات المجلس الوطني والمجلس المركزي لم يعد ترفًا سياسيًا أو إجراءً بروتوكوليًا مؤجلًا، بل ضرورة وطنية عاجلة لإعادة تجديد الشرعيات الفلسطينية، وإحياء الحياة السياسية، وإعادة بناء الثقة بين الشعب ومؤسساته الوطنية. فالشعوب التي لا تجدد مؤسساتها تفقد قدرتها على صناعة المستقبل، والقضية التي لا تعيد ترتيب بيتها الداخلي تصبح أكثر هشاشة أمام الضغوط الخارجية.

لكن أي انتخابات أو اجتماعات وطنية لن تحقق أهدافها ما لم تسبقها إرادة حقيقية للحوار الوطني الشامل، ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة لانطلاق لجنة حوار وطني جادة تضم جميع الفصائل الفلسطينية دون استثناء، من أجل صياغة رؤية وطنية موحدة تعيد الاعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني بعيدًا عن الحسابات الفئوية الضيقة.

إن الوحدة الوطنية ليست شعارًا عاطفيًا يُرفع في المناسبات، بل مشروع بقاء وطني. فلا يمكن لشعب يواجه احتلالًا بهذا الحجم أن يستمر بمنطق المحاور والانقسامات والاستقطابات. كما لا يمكن لأي فصيل " مهما بلغ حضوره " أن يحتكر القرار الفلسطيني أو يدّعي امتلاك الحقيقة الوطنية وحده.

لقد أثبتت التجارب أن تغييب أي مكون وطني أو إسلامي عن صناعة القرار الفلسطيني لا يؤدي إلا إلى مزيد من الانقسام والتآكل الداخلي، لذلك فإن دمج جميع فصائل العمل الوطني والإسلامي داخل مؤسسات القرار الفلسطيني أصبح ضرورة استراتيجية، لا مجاملة سياسية، فالقضية الفلسطينية أكبر من الجميع، والوطن لا يُدار بعقلية الإقصاء، بل بالشراكة الوطنية الحقيقية.

إن مظلة منظمة التحرير الفلسطينية يجب أن تبقى الإطار الجامع لكل الفلسطينيين، لكن هذه المظلة بحاجة إلى إعادة تفعيل وتطوير وتوسيع، بما يضمن مشاركة جميع القوى والفصائل في صناعة القرار الوطني، وفق أسس ديمقراطية واضحة تحفظ التعددية وتحمي الثوابت الوطنية.

فلسطين اليوم لا تحتاج خطابات انفعالية بقدر ما تحتاج شجاعة سياسية وتحتاج قادة يملكون الجرأة للاعتراف بأن استمرار الانقسام خطر وجودي، وأن الوحدة لم تعد خيارًا تكتيكيًا بل واجبًا حتميًا ووطنيًا وأخلاقيًا وتاريخيًا.

إن العالم لا يحترم المنقسمين، ولا يصغي لصوت متنازع على شرعيته، بينما الشعوب الحرة تنتصر حين تتحول اختلافاتها إلى قوة تنوع داخل مشروع وطني موحد.

وحدها الوحدة الوطنية قادرة على إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية، وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني، واستعادة الحضور السياسي والدبلوماسي على الساحة الدولية، أما استمرار حالة الانقسام، فلن ينتج إلا مزيدًا من التراجع والاستنزاف وفقدان الثقة الشعبية.

ويبقى السؤال المهم
هل نمتلك اليوم شجاعة التوحد لإنقاذ فلسطين، أم سنبقى نختلف حتى يكتب الآخرون مستقبلنا بدلًا منا؟

21 مشاهدة
0 تعليق
أحمد الأغا

بقلم

أحمد الأغا

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

هل نمتلك الشجاعة لإنقاذ فلسطين قبل فوات الأوان؟