نبيل محمد سمارة
في زوايا المدن المنسية تعيش حكايات لا تصل الى الشاشات الا متاخرة وبعد ان تكون قد استنزفت قلوب اصحابها واذبلت ارواحهم من شدة القهر والحاجة والخوف ومن بين تلك الحكايات خرجت سعاد الفلسطينية لتروي للعراقيين وجعا قديما يتكرر كل يوم بصمت موجع
سعاد لم تكن تبحث عن ثروة ولا عن نفوذ ولم تطلب من الدنيا اكثر من حياة بسيطة تحفظ لها كرامتها وامانها لكنها وجدت نفسها فريسة سهلة بيد شخص استغل ضعفها ووحدتها وغياب السند عنها فطلب منها اكثر من مئة الف دولار بحجة انه يحميها يحميها ممن لا احد يعلم وكأن هذه المرأة المرهقة تحولت الى غنيمة يتقاسمها ضعفاء النفوس الذين لا يخافون الله ولا يرحمون دمعة انسان
وحين ظهرت سعاد وهي تتحدث بصوت متعب عن قصتها قالت جملة تختصر كل الوجع هناك عراقي صديق سجلت اموالي باسمه في المصرف وعندما طلبت منه ان يعيدها اعادها بكل امانة وهنا يظهر الفرق العظيم بين انسان يحفظ الكرامة وانسان يتاجر بالمأساة وبين قلب عراقي اصيل يعرف معنى الشرف وبين نفوس اعتادت ان تبني ثرواتها فوق انكسارات البشر
المشكلة الحقيقية لا تقف عند قصة سعاد وحدها بل تمتد الى واقع مؤلم يعيشه الاف الفلسطينيين الذين ولدوا في العراق وكبروا فيه ولم يعرفوا وطنا غيره لكنهم يعاملون اليوم وكأنهم غرباء قدموا امس من وراء الحدود الفلسطيني في العراق اصبح ممنوعا من ابسط حقوق الحياة لا يستطيع شراء اسطوانة غاز ولا استخراج شريحة هاتف ولا ان يعيش حياة طبيعية مثل اي انسان وهذه الاجراءات القاسية لم تصنع سوى الخوف والاذلال وفتحت الابواب امام المستغلين والسماسرة وضعفاء النفوس لابتزاز الناس الذين لا حول لهم ولا قوة
هناك مئات القصص التي لا يسمع بها احد وهناك الاف الفلسطينيين الذين يعيشون بصمت خلف ابواب مغلقة يحملون شعورا ثقيلا بانهم غير مرغوب بهم رغم ان العراق هو ذاكرتهم الوحيدة وطفولتهم الوحيدة وارضهم التي عرفوا عليها معنى الحياة الفلسطيني لم ير فلسطين في حياته كلها لكنه ما زال يدفع ثمن المنافي والسياسة والقرارات القاسية وكأن المطلوب منه ان يبقى معلقا بين وطن لم يره وواقع لا يعترف به
من المؤلم جدا ان يشعر انسان ولد في هذا البلد وتعلم في مدارسه ولعب في شوارعه وعاش افراحه واحزانه انه بلا قيمة او حماية او حق ومن المؤلم اكثر ان تتحول القوانين الى جدار يعزل الانسان عن ابسط تفاصيل الحياة فقط لكي يقال له لا تنس وطنك وكأن الكرامة تتعارض مع حب الوطن وكأن منح الانسان حقه الطبيعي يجعله خائنا لقضيته
الفلسطيني في العراق لا يطالب سوى بحقه ولا يريد من احد أن يصرف عليه ولا يبحث عن جنسية او مناصب او سلطة كل ما يريده هو ان يعيش بكرامة وان يشعر انه انسان له حقوق وعليه واجبات يريد ان يشتري الغاز دون خوف وان يحصل على شريحة هاتف دون اذلال وان تعود رواتب المتوفين الى عائلاتهم لانها حق شرعي وانساني لا يجوز مصادرته تحت اي ذريعة
اليوم تقف الحكومة العراقية امام مسؤولية اخلاقية وانسانية كبيرة فاما ان تعيد لهذه الشريحة شعورها بالانتماء والامان واما ان تتركها تواجه مصيرها وحيدة وسط قسوة الحياة واستغلال البشر والانسانية الحقيقية تقاس على حماية الضعفاء وصيانة كرامة الناس مهما كانت جنسياتهم واصولهم
ولهذا فان الانظار تتجه نحو رئيس الوزراء الجديد على امل ان يفتح هذا الملف بروح العدالة والانصاف وان يعيد الحقوق الى اهلها وان يكرم كل من ولد وعاش على هذه الارض الطيبة لان الاوطان العظيمة لا تبنى بالقسوة بل بالرحمة ولا تحفظ هيبتها بالتمييز بل بالعدل والانسانية
وقلت قولي هذا واترك الحكم لضمائركم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته





شارك برأيك
سعاد الفلسطينية . صرخة وجع من قلب العراق