باكستان على خط النار.. وساطة تقترب من كسر الجمود بين واشنطن وطهران

باكستان على خط النار.. وساطة تقترب من كسر الجمود بين واشنطن وطهران

تشهد منطقة الشرق الأوسط حراكاً سياسياً ودبلوماسياً متسارعاً يعكس حجم التحولات التي فرضتها التوترات المتصاعدة خلال الأشهر الأخيرة، في ظل مؤشرات متزايدة على اقتراب الولايات المتحدة وإيران من تفاهمات مؤقتة قد تؤسس لمرحلة مختلفة من إدارة الصراع، دون أن تعني بالضرورة الوصول إلى تسوية نهائية تنهي سنوات طويلة من المواجهة السياسية والأمنية الممتدة بين الطرفين.
التقارير السياسية المتداولة خلال الأيام الأخيرة تعكس وجود مسار تفاوضي يتحرك بوتيرة متسارعة، وسط حديث عن مقترحات تتعلق بتمديد ترتيبات تهدئة مؤقتة ووضع إطار لمحادثات أكثر اتساعاً بشأن الملفات العالقة، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني والعقوبات الاقتصادية والأمن الإقليمي، كما تبرز مؤشرات على تقارب نسبي في بعض وجهات النظر، رغم بقاء نقاط خلاف جوهرية تجعل الحديث عن اتفاق شامل أمراً سابقاً لأوانه.
الإدارة الأمريكية تبدو أمام معادلة معقدة؛ فمن جهة تسعى واشنطن إلى منع إيران من تعزيز قدراتها النووية، ومن جهة أخرى تدرك أن أي مواجهة عسكرية واسعة قد تفتح أبواب المنطقة على سيناريوهات خطيرة، تشمل اضطرابات اقتصادية عالمية، وتهديدات للممرات البحرية، واتساع رقعة التوتر الإقليمي بصورة يصعب احتواؤها.
في المقابل، تبدو طهران أكثر ميلاً إلى إدارة الصراع بمنطق النفس الطويل، مستفيدة من التحولات الدولية والإقليمية، ومن التغيرات التي طرأت على موازين القوى العالمية، خصوصاً في ظل تراجع القدرة الأمريكية على فرض حلول أحادية كما كان الحال خلال عقود سابقة، وتدرك إيران أن العقوبات الاقتصادية فرضت أثماناً ثقيلة على اقتصادها، لكنها تدرك أيضاً أن واشنطن ليست في موقع يسمح لها بفرض شروطها بالكامل دون تقديم مساحات تفاهم متبادلة.
الحديث عن تفاهمات مؤقتة أو ترتيبات زمنية تمتد لأسابيع أو أشهر يعكس توجهاً نحو إدارة الأزمة بدلاً من حلها بصورة جذرية، فالقوى الكبرى غالباً ما تلجأ إلى الاتفاقات المرحلية عندما تصبح كلفة المواجهة أعلى من كلفة التأجيل، وحين يكون تثبيت التهدئة المؤقتة أكثر واقعية من الذهاب إلى مواجهة مفتوحة.
وفي قلب هذا المشهد، برزت باكستان كلاعب سياسي يحاول توظيف علاقاته المتوازنة مع مختلف الأطراف لخلق مساحة تفاهم تمنع انفجاراً إقليمياً واسعاً، فالحراك الباكستاني الأخير والرسائل السياسية المتبادلة يكشفان عن محاولة إسلام آباد لعب دور يتجاوز حدود جنوب آسيا، انطلاقاً من إدراكها أن أي انفجار كبير في المنطقة ستكون له انعكاسات مباشرة على أمنها القومي واستقرارها الاقتصادي.
الدور الباكستاني لا يبدو مقتصراً على نقل الرسائل بين واشنطن وطهران، بل يتجه نحو محاولة بناء أرضية تسمح بتقليص فجوات الخلاف، ومنع الانزلاق نحو خيارات عسكرية قد تدفع المنطقة بأكملها إلى مرحلة أكثر خطورة، كما أن إسلام آباد تدرك أن موقعها الإقليمي وعلاقاتها المتشابكة يمنحانها هامش حركة يمكن استثماره سياسياً ودبلوماسياً.
لكن رغم المؤشرات الإيجابية، لا تزال الملفات الجوهرية موضع خلاف عميق، فالولايات المتحدة تركز على البرنامج النووي الإيراني، ومستويات تخصيب اليورانيوم، وأمن الملاحة في مضيق هرمز، بينما تتمسك طهران بأولوية رفع العقوبات الاقتصادية، والإفراج عن الأموال المجمدة، وإنهاء الضغوط الاقتصادية المفروضة عليها.
كما تحاول إيران فصل الملفات عن بعضها البعض، انطلاقاً من قناعة بأن جمع كل عناصر الصراع ضمن اتفاق واحد قد يؤدي إلى انهيار المفاوضات، ولذلك تبدو أكثر ميلاً إلى تثبيت التهدئة ومعالجة القضايا الإقليمية أولاً، ثم الانتقال لاحقاً إلى الملفات الأكثر تعقيداً، وفي مقدمتها البرنامج النووي.
وفي الخلفية، تظل الحسابات السياسية الداخلية الأمريكية حاضرة بقوة، فالإدارة الأمريكية تدرك أن أي قرار يتعلق بإيران يحمل أبعاداً داخلية وخارجية في الوقت نفسه، كما أن التوازنات الإقليمية، والضغوط السياسية، وحسابات الحلفاء، تجعل أي اتفاق محتمل عرضة للتجاذبات والصراعات.
لكن الطرف الأكثر قلقاً من هذا المسار لا يبدو واشنطن أو طهران، بل إسرائيل التي تنظر بقلق بالغ إلى أي اتفاق أمريكي – إيراني محتمل، وتعتبر أن التفاهمات الجزئية أو المرحلية قد تشكل تهديداً استراتيجياً أكبر من استمرار حالة المواجهة.
فالقيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية ترى أن أي اتفاق لا يتضمن تفكيكاً كاملاً للبنية التحتية النووية الإيرانية يمثل خطراً طويل المدى، كما تعارض بصورة واضحة أي صيغة تسمح لإيران بالاحتفاظ بقدرات تخصيب اليورانيوم أو تفتح المجال أمام استعادة قدراتها الاقتصادية دون أثمان استراتيجية كبيرة.
ولا تتوقف المخاوف الإسرائيلية عند الملف النووي فقط، بل تمتد إلى الصواريخ الباليستية الإيرانية وشبكة النفـوذ الإقليمي المرتبطة بطهران، حيث تخشى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من أن يؤدي أي اتفاق محدود إلى تجاهل ملفات تعتبرها تل أبيب جزءاً أساسياً من معادلة التهديد.
كما ترفض إسرائيل أي محاولات لربط ملفات التهدئة الإقليمية، سواء في لبنان أو غيرها، بمسار التفاهمات الأمريكية – الإيرانية، خشية أن يمنح ذلك طهران أوراق قوة إضافية داخل معادلات التفاوض.
وفي ضوء هذه المخاوف، لا تزال تل أبيب تدفع باتجاه إبقاء الخيار العسكري حاضراً، وتواصل العمل على تعزيز جاهزيتها الأمنية والعسكرية، انطلاقاً من قناعة راسخة داخل المؤسسة الإسرائيلية بأن الضغط العسكري يبقى الوسيلة الأكثر تأثيراً في مواجهة إيران.
وتخشى إسرائيل أن يؤدي أي اتفاق مرحلي إلى منح طهران فرصة لإعادة ترتيب أوراقها الداخلية والإقليمية، وتعزيز حضورها السياسي والاقتصادي، بما يغير تدريجياً معادلات النفوذ في المنطقة، ويحد من هامش المناورة الإسرائيلي مستقبلاً.
ولهذا لا تنظر إسرائيل إلى المفاوضات الجارية باعتبارها فرصة للتهدئة، بقدر ما تنظر إليها باعتبارها اختباراً لمستقبل التوازنات الإقليمية، ولموقعها داخل معادلة الشرق الأوسط الجديدة التي تتشكل ببطء، وسط تغيرات دولية وإقليمية متسارعة.
وبين صبر باكستان الدبلوماسي، وحسابات واشنطن المعقدة، وتمسك طهران بأولوياتها الاستراتيجية، وقلق إسرائيل المتصاعد، يبدو الشرق الأوسط أمام مرحلة انتقالية شديدة الحساسية، قد تنتج تفاهمات مؤقتة تخفف حدة التوتر، لكنها لن تنهي جذور الصراع، لأن المواجهة الحقيقية لا تتعلق فقط بالملف النووي أو العقوبات أو المضائق البحرية، بل بصراع أوسع على النفوذ والهيمنة وإعادة تشكيل موازين القوة في المنطقة.
وقد تنجح الوساطات في إنتاج هدنة سياسية مؤقتة، وقد تؤجل المواجهة إلى مرحلة لاحقة، لكن المؤكد أن المنطقة لا تزال تعيش مخاضاً استراتيجياً كبيراً، وأن ما يجري اليوم قد لا يكون سوى فصل جديد من صراع طويل لم تصل المنطقة بعد إلى محطته الأخيرة.

61 مشاهدة
0 تعليق
اسماعيل جمعه الريماوي

بقلم

اسماعيل جمعه الريماوي

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

باكستان على خط النار.. وساطة تقترب من كسر الجمود بين واشنطن وطهران