غزة ومجلس السلام: أسئلة الجوع والدم والسياسة

غزة ومجلس السلام: أسئلة الجوع والدم والسياسة

تتسع الهوة يوماً بعد يوم بين الخطاب الإسرائيلي الرسمي الذي يحاول تسويق صورةٍ توحي بتحسن الظروف الإنسانية في قطاع غزة، وبين التقارير الحقوقية والدولية التي تؤكد أن القطاع ما يزال يعيش واحدة من أشد الأزمات الإنسانية تعقيداً في العصر الحديث، فبينما تتحدث المؤسسات الإسرائيلية عن تسهيلات وإجراءات تهدف إلى تخفيف المعاناة، تكشف الوقائع الميدانية عن استمرار سياسات الحصار والتجويع والاستهداف المباشر للبنية المدنية، بما يجعل الحياة اليومية لمليوني فلسطيني رهينة للحرب والقيود العسكرية.
وفي هذا السياق، رفضت منظمات حقوقية دولية محاولات تصوير الوضع الإنساني باعتباره يشهد انفراجاً حقيقياً، مؤكدة أن المقومات الأساسية للحياة في قطاع غزة لا تزال تتعرض للاستهداف والتقويض الممنهج، فالبنية التحتية الإنسانية التي تُبقي السكان على قيد الحياة، من مستشفيات وشبكات مياه وكهرباء وإمدادات غذائية، لا تزال تواجه ضغوطاً هائلة في ظل استمرار العمليات العسكرية والقيود المفروضة على دخول المساعدات.
وتشير المعطيات الحقوقية إلى أن الأشهر الأخيرة شهدت استمرار سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، إلى جانب تفاقم الأزمة الصحية والغذائية، الأمر الذي يعكس هشاشة أي ترتيبات تهدئة لا تترافق مع ضمانات حقيقية لاستدامة الإغاثة الإنسانية، كما تؤكد تقارير أممية أن وضع المجاعة، الذي تراجع مؤقتاً بفعل فترات التهدئة السابقة، بدء بالعودة تدريجيًا في ظل استمرار تعثر وصول الإمدادات الأساسية.
غير أن ما يثير القلق بصورة أكبر لا يتعلق فقط باستمرار الحرب، بل بطبيعة السياسات المرافقة لها، فالمشهد الميداني يشير إلى تحولات تتجاوز العمل العسكري التقليدي، نحو إعادة رسم الخريطة الجغرافية للقطاع وفرض وقائع ميدانية جديدة قد يكون من الصعب تغييرها مستقبلاً.
وخلال الأشهر الماضية، وسّعت إسرائيل من سياسات السيطرة الميدانية عبر إنشاء أحزمة عسكرية ومناطق عازلة داخل القطاع، بما أدى إلى تقليص المساحات المتاحة للسكان الفلسطينيين بصورة متسارعة، وتشير التقديرات إلى أن مساحات واسعة من قطاع غزة أصبحت خاضعة لسيطرة عسكرية مباشرة أو لقيود أمنية تحول دون عودة السكان إليها، الأمر الذي يفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول الأهداف الاستراتيجية طويلة المدى لهذه الإجراءات.
ولا تبدو هذه التطورات منفصلة عن الطروحات السياسية والأمنية التي ظهرت داخل دوائر الحكم الإسرائيلية خلال الحرب، والتي تحدث بعضها بشكل صريح عن إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي في غزة، وتقليص الكثافة السكانية، وخلق بيئة ضاغطة تدفع السكان نحو النزوح أو الهجرة القسرية ، وهي سياسات تثير مخاوف متزايدة من أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى مشروع أوسع لإعادة هندسة الجغرافيا والسكان وفرض خرائط جديدة بالقوة.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو غزة أمام مرحلة شديدة الخطورة؛ مرحلة لا يهددها فيها القصف والجوع فقط، بل أيضاً محاولات إعادة تعريف المكان وحدوده ومستقبله، وبينما تتواصل المعارك السياسية والدبلوماسية في المحافل الدولية، يبقى الفلسطيني في غزة محاصراً بين حرب لا تنتهي، ومشاريع تغيير ميداني قد تعيد تشكيل القطاع لعقود قادمة.
لكن الأخطر لا يكمن فقط في الأزمة الإنسانية، بل في التغيير الصامت الذي يجري فوق الأرض، فمنذ أشهر تعمل إسرائيل على تكريس سياسة السيطرة المكانية داخل قطاع غزة عبر خطوط عسكرية ومناطق مقيدة الحركة، تحولت تدريجياً من ترتيبات أمنية مؤقتة إلى وقائع جغرافية جديدة، فقد أصبح ما يعرف بـ"الخط الأصفر" أداة ميدانية لإعادة توزيع السيطرة داخل القطاع، حيث امتدت السيطرة العسكرية الإسرائيلية على مساحات واسعة من الأراضي، مع توسعات متتالية دفعت الحدود العسكرية غرباً بصورة مستمرة.
ومع ظهور ما بات يعرف بـ"الخط البرتقالي"، لم تعد المسألة مجرد مناطق عازلة أمنية، بل عملية إعادة تشكيل جغرافي واسعة تقلص المجال الحيوي المتاح للفلسطينيين وتحصر الكثافة السكانية في رقعة أصغر وأكثر هشاشة، وتشير تقديرات حديثة إلى أن المناطق الخاضعة لقيود أو سيطرة إسرائيلية مباشرة أو غير مباشرة باتت تقترب من ثلثي مساحة القطاع، في تحول يثير مخاوف عميقة من فرض واقع دائم يصعب تغييره مستقبلاً.
هذه السياسة لا يمكن فصلها عن الخطاب السياسي الإسرائيلي المتصاعد خلال الشهور الأخيرة، والذي يتحدث بصورة متزايدة عن "غزة الجديدة" و"اليوم التالي" و"المنطقة الأمنية الدائمة"، فحين يجري تضييق المساحة المتاحة للحياة، وتدمير البنية التحتية، ومنع عودة السكان إلى مناطقهم، فإن الأمر يتجاوز الحسابات العسكرية إلى هندسة بيئة طاردة للسكان، تدفع نحو واقع تهجيري تدريجي حتى وإن لم يُعلن رسمياً بهذا الوصف.
اما ما يسمى «مجلس السلام» فهو يمارس دورا لم يتجاوز الإشراف الإنساني أو متابعة وقف إطلاق النار، ليصبح جزءاً من هندسة المشهد السياسي الجديد في غزة ، فالمجلس الذي تدعمه إدارة ترامب يقوم على فكرة إدارة مرحلة ما بعد الحرب، عبر الإشراف على إعادة الإعمار، ومتابعة ترتيبات التهدئة، ودفع مسار سياسي وأمني يتضمن إعادة تشكيل الإدارة المدنية داخل القطاع، إلى جانب ملفات شديدة الحساسية مثل مستقبل السلاح، والانسحاب العسكري الإسرائيلي، وشكل السلطة التي ستدير قطاع غزة مستقبلاً .
لكن اشتراط أي انفراج إنساني شامل أو إعادة إعمار بتغييرات سياسية وأمنية مسبقة، يضع السكان المدنيين عملياً أمام معادلة قاسية، يصبح فيها الغذاء والدواء وحق الحياة مرتبطاً بمسارات تفاوضية طويلة ومعقدة، بينما يستمر الواقع الميداني في التدهور بصورة يومية.
وفي الوقت الذي لا تزال فيه العمليات العسكرية مستمرة، ويسقط قتلى وجرحى، وتتواصل معاناة مئات الآلاف من السكان تحت ضغط النزوح وانهيار الخدمات الأساسية، تتصاعد التحذيرات من اقتراب القطاع مجدداً من مستويات خطيرة من المجاعة وانعدام الأمن الغذائي، في ظل استمرار القيود على تدفق المساعدات، والتحديات المتعلقة بوصول الإمدادات الإنسانية بالكميات المطلوبة.
مع استمرار ربط الملف الإنساني بالاشتراطات السياسية والأمنية التي تهدد بإطالة أمد الأزمة، ويُبقي السكان المدنيين داخل دائرة المعاناة، بينما تتراجع فرص تحقيق استقرار حقيقي ومستدام، وفي ظل مشهد يتداخل فيه العسكري بالسياسي والإنساني، يبقى سكان غزة الطرف الأكثر دفعاً لأثمان حرب تتجاوز حدود المواجهة العسكرية، لتطال تفاصيل الحياة اليومية وحق الإنسان في الأمن والغذاء والدواء والنجاة.
في ظل مجلس يركز بصورة أكبر على الترتيبات الأمنية ومتطلبات الاستقرار الإسرائيلي، أكثر من تركيزه على جذور الأزمة الإنسانية والسياسية التي أنتجتها الحرب، كما تواجه خططه بأنها تسعى إلى إدارة تداعيات الصراع وإعادة تنظيم القطاع سياسياً وأمنياً، دون معالجة كافية لقضايا الاحتلال والحصار والسيادة الفلسطينية ، وفي المقابل، يطرح داعمو المجلس أنه يمثل محاولة لمنع تحول واقع الانقسام والدمار داخل غزة إلى وضع دائم، وأن نجاح أي إعادة إعمار أو ترتيبات سياسية يبقى مرتبطاً بوجود إطار دولي قادر على إدارة المرحلة الانتقالية.

80 مشاهدة
1 تعليق
اسماعيل جمعه الريماوي

بقلم

اسماعيل جمعه الريماوي

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

غزة ومجلس السلام: أسئلة الجوع والدم والسياسة