قادة الاحتلال بين جرائم غزة وشبح المحكمة الجنائية الدولية

قادة الاحتلال بين جرائم غزة وشبح المحكمة الجنائية الدولية

في اللحظة التي بدأت فيها المحكمة الجنائية الدولية توسيع دائرة التحقيقات المتعلقة بجرائم الحرب المرتكبة في غزة والضفة الغربية، دخلت إسرائيل ومعها الولايات المتحدة في حالة استنفار سياسي ودبلوماسي غير مسبوقة، فالقضية لم تعد تقتصر على بيانات إدانة أو تقارير حقوقية يمكن احتواؤها إعلاميًا، بل باتت تتعلق بإمكانية ملاحقة قادة سياسيين وعسكريين إسرائيليين أمام القضاء الدولي، وتحويلهم إلى مطلوبين للعدالة، في سابقة تهدد صورة إسرائيل ومكانتها الدولية.
التسريبات المتعلقة بتقدّم المدعي العام للمحكمة بطلب إصدار مذكرة اعتقال بحق بتسلئيل سموتريتش، إلى جانب النقاشات المتصاعدة حول إمكانية إصدار أوامر اعتقال بحق يسرائيل كاتس وإيتمار بن غفير وإيال زامير، تعكس تحولًا نوعيًا في طبيعة التعاطي الدولي مع الحرب الإسرائيلية على الفلسطينيين، فالمحكمة لم تعد تنظر فقط إلى الجنود أو القادة العسكريين، بل بدأت حتى في المستوى السياسي الذي وفّر الغطاء القانوني والتحريض العلني والتوجيه المباشر لسياسات القتل والتجويع والتهجير.
هذا التطور أثار حالة ذعر حقيقية داخل إسرائيل، لأن انتقال الملاحقة إلى وزراء وقادة سياسيين يعني أن الرواية الإسرائيلية التقليدية حول “الدفاع عن النفس” بدأت تفقد قدرتها على حماية المسؤولين الإسرائيليين من المساءلة القانونية، كما أن إدراج شخصيات مثل سموتريتش وبن غفير، المعروفين بخطابهم العنصري ودعواتهم العلنية للتهجير والتوسع الاستيطاني والحسم العسكري، يكشف أن العالم بدأ يرى في هذه التصريحات جزءًا من بنية التحريض التي رافقت الحرب، وليس مجرد مواقف سياسية داخلية.
في المقابل، تحركت الولايات المتحدة بقوة لحماية إسرائيل من هذا المسار القضائي. فواشنطن تدرك أن أي نجاح للمحكمة في ملاحقة قادة الاحتلال سيشكّل ضربة سياسية وأخلاقية كبرى لحليفها الأهم في المنطقة، كما سيفتح الباب أمام مساءلات أوسع قد تطال طبيعة الدعم العسكري والسياسي الأمريكي للحرب، لذلك لم تتردد الإدارات الأمريكية، كما حدث في مراحل سابقة، في ممارسة الضغوط على المحكمة واتهامها بتسييس العدالة، بل وصلت الأمور سابقًا إلى فرض عقوبات على مسؤولين فيها وتهديدها بشكل مباشر.
أما إسرائيل، فقد لجأت إلى خطاب مزدوج؛ فمن جهة تصف المحكمة بأنها “منحازة” و”معادية للسامية”، ومن جهة أخرى تسعى عبر حلفائها الغربيين إلى تعطيل أي خطوات عملية يمكن أن تتحول إلى قرارات تنفيذية، لكن الأزمة بالنسبة لإسرائيل لا تكمن فقط في احتمال صدور مذكرات الاعتقال، بل في التحول العميق الذي أصاب صورتها عالميًا ، وفي وضع لا يمكن اصلاحه ، فالحرب على غزة، بما حملته من مشاهد المجازر والتجويع والتدمير الواسع، كسرت جزءًا كبيرًا من الحصانة الأخلاقية والسياسية التي تمتعت بها إسرائيل لعقود طويلة في الغرب.
لقد باتت إسرائيل تواجه أزمة شرعية حقيقية، ليس فقط بسبب حجم الجرائم المرتكبة، بل لأن خطابها السياسي أصبح أكثر تطرفًا ووضوحًا في التعبير عن مشاريع التهجير والحسم والإبادة، وهذا ما جعل شخصيات مثل سموتريتش وبن غفير تتحول من مجرد وزراء متطرفين في نظر العالم إلى رموز سياسية مرتبطة مباشرة بخطاب التحريض والكراهية والعنف المنظم ضد الفلسطينيين.
ورغم كل الضغوط الأمريكية والإسرائيلية، فإن مجرد استمرار المحكمة في مناقشة هذه الملفات يمثل تطورًا مهمًا في مسار الصراع، فإسرائيل التي اعتادت العمل فوق القانون الدولي، تجد نفسها اليوم أمام خطر حقيقي يتمثل في تآكل منظومة الإفلات من العقاب التي حمتها لعقود، كما أن توسيع دائرة الاتهام نحو المستوى السياسي يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الجرائم الكبرى لا يصنعها الجنود وحدهم، بل تبدأ من القرارات السياسية والتحريض الأيديولوجي الذي يبرر القتل والتدمير.
وفي النهاية، قد تنجح واشنطن وتل أبيب في تأخير العدالة أو تعطيل بعض مساراتها، لكنهما لن تتمكنا من محو آثار الحرب من ذاكرة العالم، ولا من إخفاء حقيقة أن غزة تحولت إلى شاهد حي على واحدة من أكثر الحروب دموية ووحشية في العصر الحديث، وما تخشاه إسرائيل اليوم ليس فقط أوامر الاعتقال، بل انهيار الرواية التي بنت عليها مشروعها لعقود، وانكشاف صورتها كقوة احتلال تمارس القتل والتجويع والتهجير تحت حماية أمريكية مفتوحة.

79 مشاهدة
0 تعليق
اسماعيل جمعه الريماوي

بقلم

اسماعيل جمعه الريماوي

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

قادة الاحتلال بين جرائم غزة وشبح المحكمة الجنائية الدولية