بناء الصورة الذهنية في الفضاء الرقمي: قراءة نقدية
تعد قضية إدارة الصورة الذهنية في المؤسسات الإعلامية الكبرى من أكثر القضايا تعقيداً في العصر الرقمي، حيث تتقاطع فيها استراتيجيات العلاقات العامة مع ديناميكيات شبكات التواصل الاجتماعي، تأتي دراسة الباحثة "فاطمة همام" لتقدم تشريحاً منهجياً لهذه الظاهرة، مركزةً على شبكة الجزيرة الإعلامية نموذجاً للدراسة، يسعى هذا المقال إلى تقديم قراءة نقدية شاملة تتجاوز الوصف السطحي لتغوص في عمق البناء المنهجي والنظري للدراسة.
تأطير إشكالية الدراسة وأبعادها التحليلية:
انبثقت مشكلة الدراسة المعنونة:" إدارة الصورة الذهنية للمؤسسات الإعلامية عبر شبكات التواصل الاجتماعي“ من تساؤل جوهري حول آليات إدارة الصورة الذهنية للجزيرة عبر صفحة "هنا الجزيرة"، وهي مشكلة تتسم بالراهنية والأهمية البالغة بالنظر إلى حجم الاستقطاب الإعلامي الراهن، ويُحسب للباحثة قدرتها على صياغة إشكالية واقعية تعكس التحدي الذي تواجهه المؤسسات في الحفاظ على ريادتها، إلا أن الطرح ظل حبيس النظرة الوصفية التي تركز على "ما هو كائن" دون التوسع الكافي في معالجة المتغيرات الخارجية التي قد تشوش على هذه الصورة، مثل الأزمات الرقمية أو الحملات المضادة، مما جعل الإشكالية تبدو وكأنها تعالج ظاهرة في بيئة معزولة تقنياً.
بنية التساؤلات البحثية ومستوى العمق المنهجي
تفرعت عن التساؤل الرئيس أسئلة ركزت على "محتوى" و"أشكال" إدارة الصورة، وهي تساؤلات تتسم بالانضباط المنهجي والارتباط المباشر بأداة تحليل المضمون. ومع ذلك، يلاحظ المتفحص لهذه الأسئلة أنها مالت نحو الكم على حساب الكيف؛ فبينما نجحت في توجيه الباحثة لرصد وتصنيف المنشورات، أخفقت في دفع البحث نحو استنطاق الدوافع الاستراتيجية العميقة وراء اختيار أنماط معينة من الخطاب، مما جعل الإجابات المتوقعة تدور في فلك الرصد الإحصائي أكثر من التحليل السوسيولوجي للخطاب الإعلامي.
الكفاءة النظرية وإسقاطات نظرية إدارة الانطباع
اعتمدت الدراسة على نظرية "إدارة الانطباع" لـ إرفنج جوفمان، وهو خيار يعكس ذكاءً بحثياً في اختيار الإطار المعرفي المناسب للظاهرة
وقد تجلت قدرة الباحثة في ربط مفاهيم "الأداء" و"المسرح" بالمنشورات الرقمية، حيث نجحت في تفسير سلوك المؤسسة كفعل اتصالي واعٍ يهدف للتأثير، وبالرغم من هذا التوظيف الموفق، كان يُنتظر من الإطار النظري أن ينفتح بشكل أكبر على نظريات الإعلام الجديد التي تفسر دور "الخوارزميات" و"تفاعلية الجمهور" في صياغة هذا الانطباع، بدلاً من الاكتفاء بالمنظور السوسيولوجي الكلاسيكي الذي قد لا يستوعب كامل تعقيدات البيئة الرقمية.
أدبيات الدراسة السابقة وآليات التراكم المعرفي
جاء استعراض الدراسات السابقة منظماً وفق محاور موضوعية دقيقة، واتسمت المراجع المعتمدة بالحداثة، وهو أمر ضروري في الدراسات التقنية، وفي حين أبدعت الباحثة في تصنيف هذه الدراسات، إلا أن التعقيب عليها جاء في بعض المواضع وصفياً يعدد أوجه التشابه والاختلاف التقليدية، دون تقديم نقد معرفي جريء يحدد الفجوات المنهجية العميقة في تلك الأدبيات، وكيف سعت هذه الأطروحة تحديداً لتقديم بديل معرفي أو إضافة نوعية تتجاوز ما تم إنجازه سابقاً.
الضبط الاصطلاحي والتعريفات الإجرائية
اتسمت مصطلحات الدراسة بالدقة العلمية والقدرة على الانتقال من المفهوم المجرد إلى المؤشر القابل للقياس. ويعد تعريف "إدارة الصورة الذهنية" إجرائياً من أقوى مفاصل الدراسة، حيث ربطته الباحثة بمجموعة العمليات الاتصالية المرصودة عبر الصفحة، مما سهل عملية التحويل المنهجي إلى فئات تحليلية، هذا الانضباط الاصطلاحي منع تشتت البحث وضمن وحدة الموضوع عبر جميع فصول الدراسة.
المتن المنهجي ونقد تمثيلية العينة
وظفت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي باستخدام أداة تحليل المضمون، وهو خيار كلاسيكي سليم لمثل هذه الأبحاث. غير أن الوقوف عند "عينة الحصر الشامل" التي بلغت 113 منشوراً عبر عامين يثير تساؤلات منهجية حول "تمثيلية العينة"؛ فبالنظر إلى حجم وكثافة النشر في مؤسسة كالجزيرة، يبدو هذا العدد متواضعاً وقد لا يعكس الديناميكية الحقيقية للمؤسسة، هذا الضيق في العينة قد يؤدي إلى نتائج "مجزأة" لا يمكن تعميمها كاستراتيجية شاملة للمؤسسة، بل تظل محصورة في حدود النشاط المحدود لصفحة "هنا الجزيرة".
هندسة استمارة تحليل المضمون وتكامل الفئات
صممت استمارة التحليل بعناية فائقة حيث وازنت بين فئات "المضمون" وفئات "الشكل"، مما سمح بتشريح الرسالة الإعلامية من حيث المحتوى والوعاء الاتصالي، ويُحسب للاستمارة شموليتها لقيم الهوية والرموز والوسائط، لكن يؤخذ عليها غياب فئات تحليل "التفاعلية" و"نبرة التعليقات"، وهي عناصر جوهرية في بناء الصورة الذهنية رقمياً،إذ إن تجاهل "رد فعل الجمهور" في الاستمارة جعل التحليل يركز على طرف واحد في العملية الاتصالية وهو "المرسل".
تحليل النتائج ومناقشتها: بين لغة الرقم ودلالة المعنى
أظهرت نتائج الدراسة قدرة فائقة لشبكة الجزيرة على استخدام استراتيجيات "التموضع" والريادة المهنية لترسيخ صورتها، وقد تميز عرض النتائج بالوضوح والاعتماد على الجداول الإحصائية المتقاطعة، ومع ذلك، فإن المناقشة التحليلية للنتائج كانت بحاجة إلى مزيد من الجرأة في نقد "التناقضات" الممكنة بين الخطاب الرقمي والواقع الميداني، حيث مالت الباحثة إلى تفسير النتائج بما يتوافق مع الأطر النظرية الموضوعة سلفاً، مما حد من فرص ظهور استنتاجات نقدية غير متوقعة خارج السياق الرسمي للمؤسسة.
نقد التوثيق الأكاديمي ومرجعيات الدراسة
تعتبر المرجعية العلمية المرآة التي تعكس مدى عمق واطلاع الباحث في تخصص دقيق كإعلام تكنولوجيا الاتصال الحديثة، وبالنظر إلى المتن التوثيقي لهذه الدراسة، نجد التزاماً صارماً بمدرسة التوثيق التقليدية )الهوامش السفلية(، وهو ما منح الأطروحة رصانة أكاديمية تسهل على القارئ والباحث تتبع جذور الأفكار وتدقيق الاقتباسات في موضعها.
التنوع المعرفي بين التأسيس والحداثة: نجحت الباحثة في المزج بين الأطر النظرية الكلاسيكية (كتب علم الاجتماع والاتصال المؤسسي( وبين المصادر الرقمية والمقالات العلمية الحديثة التي تناولت شبكات التواصل الاجتماعي. هذا التنوع يعكس مجهوداً بحثياً لم يستسلم لسهولة المصادر المتاحة، بل سار في اتجاهات متعددة شملت أطروحات دكتوراه، تقارير مؤسساتية لشبكة الجزيرة، ودراسات أجنبية، مما أضفى صبغة "العالمية" على المرجعية العلمية للبحث.
نقد كفاءة الاستشهاد المرجعي :رغم الدقة في التوثيق، يُلاحظ من الناحية النقدية تركيز الاستشهادات في بعض الفصول النظرية على مراجع عامة في العلاقات العامة، وكان يُنتظر تكثيف المراجع التي تعالج "إدارة السمعة الرقمية" (Digital Reputation Management) بشكل أعمق ومستقل، لكونها تمثل جوهر الأطروحة. كما أن الاعتماد على مراجع من عام 2015 وما قبلها في مواضيع تتعلق ببيئة "فيسبوك" المتغيرة باستمرار، قد يجعل بعض التفسيرات التقنية تبدو قديمة نوعاً ما مقارنة بسرعة تطور الأدوات والمنصات الرقمية وقت إجراء الدراسة (2019-2020).
الاتساق المنهجي في قائمة المراجع: جاءت قائمة المراجع النهائية منظمة وفق المعايير الأكاديمية المتعارف عليها، حيث تم الفصل بين المصادر والكتب، المجلات العلمية، والواقع الإلكترونية، هذا التنظيم لا يعكس الأمانة العلمية فحسب، بل يؤكد على قدرة الباحثة على فرز وتصنيف المادة العلمية الضخمة التي تعاملت معها، مما يجعل الدراسة مرجعاً ثرياً للباحثين اللاحقين في هذا الحقل.
تأسيساً على ما تقدم، يمكن القول إن دراسة "إدارة الصورة الذهنية للمؤسسات الإعلامية عبر شبكات التواصل الاجتماعية" تمثل لبنة أساسية في صرح الدراسات الإعلامية التي تحاول مواكبة السيولة الرقمية، حيث نجحت الباحثة في تقديم نموذج منهجي يجمع بين رصانة التنظير الكلاسيكي وحداثة الظاهرة المدروسة. وبالرغم من الملاحظات النقدية التي طالت حجم العينة أو غياب البعد التفاعلي في أداة التحليل، إلا أن القيمة العلمية المضافة تظل قائمة في قدرة البحث على كشف "المنطق المؤسسي" الذي يدير السمعة في الفضاء الافتراضي.
إن هذه القراءة النقدية لا تقلل من شأن المجهود المبذول، بل تفتح آفاقاً جديدة للباحثين لتبني مداخل أكثر شمولية؛ تجمع بين "تحليل المضمون" الذي يمثله صوت المؤسسة، و"تحليل الجمهور" الذي يمثله صدى الرسالة. ففي عصر لم تعد فيه الصورة الذهنية "رسماً" تخطه ريشة المؤسسة وحدها، بل "بناءً" تشاركياً يساهم فيه الجمهور بالتعليق والمشاركة والنقد، تصبح الحاجة ملحة لدراسات تتجاوز الرصد الوصفي إلى التحليل التفاعلي المتكامل، وهو المسار الذي مهدت له هذه الدراسة ببراعة وفتحت الأبواب لاستكماله مستقبلاً.





شارك برأيك
بناء الصورة الذهنية في الفضاء الرقمي: قراءة نقدية للباحثة بشائر عثمان - جامعة فلسطين التقنية خضوري ، ماجستير علوم الإعلام والاتصال - ضمن مساق مشروع بحث مرئي ومسموع إشراف د . علاء عياش