بين تأليه أهل البيت وتقديس الصحابة: مرويات تناقض المنطق / بقلم الفيلسوف والمفكر الإسلامي م.محمد نبيل كبها.
نكبة الخطاب الديني هي لحظة تكوينية لبنية مأساوية للخطاب بحلته المريبة والممتدة في تحوّل العقل الإسلامي من كيان عملي وتحرّري وواقعي إلى جثّة متحركة تدور على الأرض بلا هدف وبلا معنى!
مشكلتي مع الخطاب الإسلامي:
إن حركة الخطاب الإسلامي الموروث تستند إلى سردية دينية وثنية وميثولوجيا إغريقية، يُراد من خلالها تجريد العقل الإسلامي بفعل بعض العلماء والمشايخ ورجال الدين من السنة والشيعة، الذين يقدّمون ميثوسات للعموم دون علم أو فهم للمنقول وللمرويات، ويستغلون ضعف وسطحية فهم العموم عبر انتهاكهم الصريح للوغوسات وتغليب "الإيروس" على "اللوغوس".
الفيلسوف والمفكر الألماني الشهير "هربرت ماركوزة" قدم نقداً جذرياً للحضارة الغربية في كتابه الشهير "إيروس والحضارة"، معتبراً أنها قامت على "منطق السيطرة" الذي يمثله اللوغوس، حيث تحول من "عقل" يسعى للحقيقة إلى "عقل وظيفي" يهدف للسيطرة على الإنسان.
تأمل معي هذه الشذرات من خطبة لأحد علماء وفقهاء الشيعة، يقول: (حدث حقيقة أن مولود لأحد العائلات المسيحية عندما بلغ من العمر ثلاثة سنوات، اتكأ بيديه على الأرض لكي يقوم، فصاح "يا علي" وإذا به يقوم!! وكانت أول كلمة نطق بها هذا الطفل هي "يا علي"، وأعادها بعد ذلك مراراً وتكراراً، فكلما أراد أن يقوم قال "يا علي"، فتعجب والداه! ليصطحبوه معهم الى طبيب مسيحي، ثم الى قس، ليرد الأخير عليهم: "لقد نطق ابنكم بشيء ليس من لغتنا ولكنه عظيم، لقد نطق بما نطق به اليسوع من قديم الزمان"، فسأل والد الطفل القس: "المسيح قال: يا علي؟"، فرد القس: "ليس المسيح فقط، بل كل الأنبياء، حتى نبي الإسلام محمد -صلى الله عليه وسلم- كان ينادي في حروبه "يا علي"!!).
ودارت الصلوات والتكبيرات في المسجد عندما سمع أهل الشيعة هذه القصة!!
وفي المقابل، أحد علماء المسلمين يخطب في الناس قائلا: (حدث زلزالا في المدينة المنورة في عهد عمر بن الخطاب، فضرب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الأرض بعصاه، وقال لها: "اثبتي.. ألم أعدل عليك"، فثبتت الأرض مباشرة!!).
وطافت الصلوات والتكبيرات في المسجد عندما سمع أهل السنة هذه الحادثة!!
ولو تعمقنا في هذا الحديث لدى داعية سني مشهور يلتف حوله الناس، فيقول لهم والدمعة تقفز من عينه: "ألقى عمرو بن العاص في نهر النيل رسالة (بطاقة) أرسلها الخليفة عمر بن الخطاب، يأمر فيها النيل بالجريان بأمر الله تعالى بعد توقفه عن الفيضان، ما أدى لجريان النيل!!"
وعلى النقيض، داعية شيعي يترنح يمنة ويسرة والناس محفوفون من حوله، فيقول: "اكتب أي حاجة لك على ورقة، وضعها في قارورة، وألقها في الماء، ستصل إلى الإمام "زين العابدين"، فيقضي حاجتك!!".
المنطق هو الميزان الذي يضبط الموروث:
لو أمعنا النظر في درس ألقاه إمام وداعية شيعي، حيث روى هذه الحادثة: "كان الإمام -علي بن الحسين زين العابدين- الملقب ب-السجاد- يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة".
لكن من ناحية المنطق واعمال العقل في هذا الحديث، سنجد أن كل ركعة تستغرق دقيقة واحدة، هذا يعني أن مجموع ركعاته تستغرق من الوقت 1000 دقيقة، ولو قمنا بقسمة الألف على 60 دقيقة، فإن الوقت المستغرق لأداء هذه الركعات يتطلب 18 ساعة! بمعنى يوم منقوص منه أربع ساعات! وهذا يعني أن الإمام -علي بن الحسين زين العابدين- لم يصلي الصلوات المفروضة -الصبح، الظهر، العصر، المغرب، العشاء- أليس هذا هو اللامنطق بعينه؟! ناهيك على أن الإمام زين العابدين كان منقطعاً عن الاكل أو الشرب أو قضاء حاجته!
في المقابل إمام وشيخ وداعية سني، يصيح في الناس قائلا: "كان عثمان يقرأ القرآن كله في ركعة واحدة"، وهو حديث صحيح عن السائب بن يزيد أن عثمان قرأ القرآن ليلة في ركعة لم يصل غيرها.
لكن من ناحية المنطق واعمال العقل في الحديث أيضاً، فإن القران 114 سورة، 2236 آية، 77,439 كلمة، 30 جزء، كل جزء يستغرق نصف ساعة "قراء صحيحة"، بمعنى أن قراءة 30 جزء تستغرق 15 ساعة!! يعني أكثر من نصف يوم؟! وهذا يعني أن سيدنا عثمان -عليه الصلاة والسلام- لم يصلي صلاة الصبح ولا الظهر ولا العصر!! أو العكس، لم يصلي صلاة المغرب ولا العشاء ولا الصبح؟! وهنا يتجلى السؤال الأكثر إيلاماً: "هل تريد مني تصديق حديث -ولو كان صحيحاً- أن عثمان -رضي الله عنه- وقف يصلي ركعة واحدة كان قد قرأ فيها القرآن كله لمدة 15 ساعة، ولم يصلي الصلوات المفروضة عليه التي تليها!".
كيف يمكن الاستشهاد بحبنا لعثمان -رضي الله عنه- والاقتداء به في هذا الحديث، ونحن فعليّاً نضره من حيث لا نعلم؟!
ابراز كفة الحديث على أحسن الحديث:
لو عرّجنا على حديث سحر النبي عند علماء وفقهاء السنة، وقد سمعناه مراراً وتكراراً في خطب الجمعة وغيرها من الدروس أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قد سحر عل يد لبيد بن الأعصم، فروى البخاري ومسلم واللفظ للبخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: "سحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم- رجل من بني زريق يقال له لبيد بن الأعصم، حتى كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله".
هذا الحديث يُصدّق قول المشركين ان النبي "مسحور"، ولكن الله سبحانه قال: "وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ"؟! لذلك نجد الحديث يتعارض مع عصمة النبي في أمور التبليغ؟!
والمعلوم أن الأحاديث نوعان: "متواتر، وآحاد"، وكل ما هو ليس متواتر فهو آحاد، وأحاديث الآحاد لا تفيد العلم الكلي، وقد لا يأخذ بها في العقائد، وتنقسم الى 3 أقسام: "مشهور، أو مستفيض" وهو ما رواه ثلاثة فأكثر في كل طبقة ولم يبلغ التواتر، و"عزيز" وهو ما رواه اثنان فقط في إحدى طبقات السند، و"غريب" وهو ما تفرد بروايته راوٍ واحد في أي موضع من السند، وحديث "سحر النبي" هو غريب، لأنه لم يُروى الا عن سيدتنا عائشة فقط، والحقيقة هي أن عصمة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من تأثير السحر في عقله عقيدة من العقائد، فلا يؤخذ في إثبات ما يخالفها إلا باليقين كالحديث المتواتر، ولا يكتفي في ذلك بالظن، فكيف أصدق بهذا الحديث؟! وكيف أرجح كفة الحديث على أحسن الحديث وقد قال ربنا جل في علاه: "اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ" (الزمر: 23)".
لا يوجد حقيقة تُتناول وتؤخذ من غير تحقيق ومُسائلة:
إن بداية الشك المنهجي تنحدر إلى الفيلسوف اليوناني (سقراط) ثم إلى النص الإسلامي كأمثال (أبو حامد الغزالي، والحسن بن الهيثم، والجاحظ).
وعندما تمر في جولة حول العالم الموسوعي العربي والمسلم (ابن الهيثم) والذي كان مُبدعاً في كشوفاته العلميّة في مجال البصريات التي بثّها في كتابه الخالد "المناظر"، يدهشك إسهامه الواسع في أنواع العلوم كالرياضيات والفيزياء والفلك والفلسفة وغيرها، والذي يذهلك أكثر هو اللمسة الإبستمولوجية والتي كانت سبباً في حيرة الكثير! خاصّة تلك التي جاءت في مقدمة كتابه "الشكوك على بطلميوس".
يقول ابن الهيثم في مقدّمة كتابه "الشكوك على بطلميوس" أنّ الطريق للحق وعر وصعب، وأنّ سبيل الحق مغموس ومزيّن بالهوى والشّهوات والمُحرّمات، وأنّ الحق مطلوب لذاته.
وأضاف أنّ العامّة والأغلبيّة يثقون ثقة عمياء بالعلماء وكتبهم، فيبصمون على جُلّ ما قالوه وكتبوه دون تفكير وتمحيص وتدقيق! ويغفلون أنّ العلماء هم في نهاية الأمر بشراً، وليسوا منزّهين عن الخطأ، وعلمهم ليس بريء من الزّلل، مُبرّرا ذلك بأنهم لو كانوا معصومين لما اختلفوا فيما بينهم!!
وختم يقول أنّ طالب الحق لا يُقدِّس العلماء، بل يشكّ فيهم، فالعالم إنسان في نهاية المطاف، ومجبول من ماء وطين، ولذلك ينال منه الخطأ والنقص، بالإضافة إلى أنّهُ نبّأ أنّ طالب الحق والباحث عنه يجب عليه أن يتّهم نفسه ويتّهم الكاتب، بمعنى أن يُنازع ويُجادل الكاتب ونفسه معا لكي يكون حياديّاً، فالحق في النهاية فوق الجميع.
الشكوك على بطلميوس:
لقد حاول ابن الهيثم تطبيق المنهج الذي قرّرهُ على عالم الرّياضة والفلك اليوناني الشهير (كلوديوس بطليموس) مؤلّفا كتابه تحت عنوان "الشكوك على بطلميوس"، حيث نجد ابن الهيثم في البداية يمدح ويُثني على بطليموس في كتابه، وأنّه هو عبارة عن خُلاصة علم الفلك القديم، وأن كتابه "النّحو الرّياضيSyntaxe Mathematique " كان له الدّور الكبير في علم الفلك، حيث أطلق العرب عليه "المجسطي" وتعني: "العظيم"، احتراما وتقديرا له.
ولكنه انعطف في سطور كتابه عندما وضع فلك بطليموس على طاولة التشريح العلمي والمنطقي، فوجد مواضع الشبهة والتناقض فيه، وأكّد في النهاية أنه لا يجب السكوت والتكتّم عن عيوب بطليموس وسَتْرها، لذلك كان ابن الهيثم هو أوّل من وضع مُقترحا لإصلاح فلك بطليموس الذي وصف فيه مركزيّة الأرض.
قام ابن الهيثم بتأسيس مكتبته الخاصّة، والتي دعا إليها كبار العلماء عقلا وعلما للمشاركة، فساق إليها كل من (مؤيد الدين العرضي، ويحيى المغربي، وقطب الدين الشيرازي، ونظام الدين النيسابوري) الذين انتهت أبحاثهم وأعمالهم في يد عالم الرياضيات والفلكي الشهير (نيكولاس كوبرنيكوس) والذي قام بدوره بهدم وردم نسق وفلك بطليموس، وليس هذا فحسب، بل قام بتحريك الأرض! ليتم توليد ثورة فلكيّة حديثة من رحم الفلك العربي.
وعليه.. فإنه لا يوجد حقيقة تُتناول وتؤخذ من غير تحقيق ومُسائلة، ولهذا السبب تحركّت الأرض بعد أن كانت ثابتة وساكنة لسنوات عديدة.
علينا تمشيط المرويات التاريخية:
هل الدين منقوص لكي يتمّمهُ هؤلاء العلماء والفقهاء -من السنة والشيعة- بأحاديث وروايات وقصص ما أنزل الله بها من سلطان؟! لماذا لم تراعي إدارة طيف العواطف الغير عقلانية لدى هؤلاء العلماء والفقهاء احتكام الأحاديث والمرويات للقرآن، وعرضها على نصه من أجل اثبات صحتها، أو تعريتها من الصحة لكيلا يقع المجتمع في التخلف والانكفاء الحضاري؟!
قال تعالى: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (النساء: 82).
مثارات الحديث في القران كثيرة، فاذا خالف الحديث القرآن الكريم بسبيل لا يقبل التأويل فيه ولا بأي شكل من الأشكال يجب ردّه حتى ولو كان صحيحاً، فليس من المعقول أن نُرهن كلام الله سبحانه في حديث رواه البخاري أو مسلم وهو يتناقض مع النص القرآني، ويتعارض مع الحقائق العلمية، ويخالف الكتاب المنظور والمحسوس!؟ وهذا يحيلنا إلى سؤال منطقي أعمق: "لماذا إذا تم رد الصحيح من الحديث في البخاري، توجه التهم بأن هذا قرآني ومنكر للسنة؟! وهل نعت هؤلاء "بالقرآني" أصبح جريمة؟!
الإمام "أبو الحسن الدارقطني" تكلم في 200 حديث تقريباً في الصحيحين تدور حولها الشبهات، والفيلسوف البريطاني الشهير "برنارد راسل" كتب يقول: "العقل المفتوح فارغ دائما"، لذلك أجد أنه على كل علماء السنة والشيعة تمشيط وتنقية المرويات التاريخية، لأن الإسلام أمانة.
وأخيرا وبالعودة الى سؤالي فإني أقول وأوضّح: "أنا لا أدعوا الى إلغاء السنة النبوية، وإنما أدعوا العلماء المختصين الى مراجعة الموقف من بعض الأحاديث في الصحيح، والروايات في السيرة، لكيلا ينتهي أبناءنا الى الالحاد أو الى عدمية مفتوحة!!
بقلم الفيلسوف والمفكر الإسلامي م.محمد نبيل كبها.





شارك برأيك
بين تأليه أهل البيت وتقديس الصحابة: مرويات تناقض المنطق / بقلم الفيلسوف والمفكر الإسلامي م.محمد نبيل كبها