في الضفة الغربية، لا يأتي النزوح فجاة. يسبق البيوت التي تفرغ من اهلها خوف طويل، وتسبق العائلات التي تحزم ما تبقى من حياتها ليال لا تنام فيها المدينة كما ينبغي. حين تقول الامم المتحدة ان مئات العائلات نزحت تحت وطاة عنف المستوطنين، لا تقدم رقما مجردا، بل تلخص مسارا يوميا من التهديد والاقتلاع الصامت، مسارا يتحول فيه المكان الى مساحة مؤقتة، والبيت الى محطة عابرة في جغرافيا لا تستقر.
لغة البيانات الاممية باردة بحكم وظيفتها، لكنها حين تذكر اعداد القتلى والجرحى والمهجرين، تفتح نافذة على واقع لا يختصر في حادثة واحدة. الضفة التي تعيش منذ سنوات تحت ضغط متصاعد من العنف الممنهج، تجد نفسها اليوم امام نمط يتكرر: اعتداءات من مستوطنين، حضور عسكري، تدمير ممتلكات، ونزوح قسري يترك العائلات في مواجهة سؤال البقاء من دون حماية فعالة.
وما يجري على الارض لا ينفصل عن مسار سياسي مواز يسعى الى اعادة تعريف المكان نفسه. في الاسابيع الاخيرة، بدت السياسة الاسرائيلية اكثر نشاطا في محاولة اضفاء طابع قانوني على ضم الضفة الغربية والقدس الشرقية، عبر قرارات اجرائية تقدم بوصفها تنظيمات ادارية او تسويات عقارية. منح "الضوء الاخضر" لتسجيل مساحات واسعة مما تصفه سلطات الاحتلال ب"اراضي عامة" كأراض للدولة، لا يبدو خطوة تقنية معزولة، بل حلقة في مسار تدريجي يعيد رسم حدود الملكية والسيادة على الارض بهدوء اداري، فيما تعيش العائلات على وقع الاقتلاع اليومي.
هذا النوع من القوننة التدريجية يحاول نقل الصراع من حيزه السياسي والحقوقي الى لغة السجلات والخرائط، كأن المسالة خلاف على اوراق ملكية لا على ارض واقعة تحت الاحتلال. من منظور القانون الدولي، تبقى الضفة الغربية اراضي محتلة مهما تغيرت التسميات، ومهما اعيد ترتيب السجلات. اعادة توصيف المكان لا تغير من جوهر الواقع، لكنها تغير اثره على حياة الناس، حين تتحول القرارات الادارية الى ادوات تضييق ونزع بطيء للحق في البقاء.
في هذا السياق، يصبح العنف اليومي الذي يعيشه الفلسطيني في الضفة جزءا من مناخ اوسع يعاد فيه تشكيل العلاقة مع الارض عبر ادوات متعددة: ضغط ميداني، تضييق قانوني، واعادة انتاج سردية تجعل من المكان قضية اجراءات لا قضية حق. ما يطلبه الفلسطيني هنا ليس فقط وقف الاعتداءات، بل حماية حقه في المكان من مسارات هادئة تعيد ترتيب الجغرافيا بغير صوت مرتفع، لكنها لا تقل اثرا عن العنف المباشر.
الدعم الفلسطيني في هذه اللحظة لا يحتاج الى صراخ سياسي بقدر ما يحتاج الى اعادة الاعتبار لفكرة الانسان بوصفه مركز القضية. حين يقتل شاب في التاسعة عشرة من عمره، وحين يصاب اخرون في هجوم واحد، لا يكون الحدث مجرد رقم في سجل انتهاكات، بل قصة حياة انقطعت، واسر وجدت نفسها فجاة امام فراغ لا يسده بيان تعزية. الادانة الاممية مهمة، ليس لانها تنهي العنف، بل لانها تثبت على الاقل ان ما يجري ليس نزاعا عشوائيا، بل نمطا من ممارسات قسرية تتحمل الجهة المسيطرة مسؤوليتها القانونية والاخلاقية.
الضفة الغربية اليوم لا تواجه عنفا منفصلا عن سياقه السياسي. العنف هنا جزء من مناخ اوسع يجعل من الحياة اليومية اختبارا دائما للصمود. المستوطنات لا تتمدد فقط على الارض، بل على معنى الامان نفسه. حين يتحول الطريق الى خطر محتمل، والعودة الى البيت الى مخاطرة، تتغير علاقة الناس بمكانهم. هذا التغيير البطيء هو اخطر اشكال الاقتلاع، لانه لا يحدث بضربة واحدة، بل بتآكل متدرج لاحساس الانسان بحقه في ان يعيش حياة عادية.
الدعوة الى تحقيق شفاف ومحاسبة المسؤولين ليست مطلبا شكليا. هي محاولة لاعادة ربط السياسة بمعنى العدالة، حتى لو بدا هذا الربط هشاشا في ميزان القوى القائم. الفلسطينيون لا يطلبون امتيازا خاصا، بل يطالبون بالحد الادنى من الحماية التي يفترض ان تكفلها القوانين الدولية لسكان يعيشون تحت احتلال طويل. حين تغيب هذه الحماية، يصبح الحديث عن الاستقرار خطابا فارغا، وتتحول الادانات المتكررة الى ارشيف من الكلمات التي لا تجد طريقها الى تغيير ملموس.
دعم الموقف الفلسطيني هنا لا يعني الوقوف في خانة الشعارات، بل الاصرار على ان حياة الناس ليست تفصيلا في معادلات القوة. حين يتحول النزوح الى خبر يومي، يصبح الدفاع عن الحق في البقاء دفاعا عن معنى العدالة نفسه. الضفة الغربية لا تطلب اكثر من ان يعترف العالم بان ما يحدث فيها ليس قدرا، بل نتيجة خيارات سياسية يمكن مساءلتها. بين بيان اممي واخر، يبقى السؤال مفتوحا: كم من العائلات يجب ان تقتلع قبل ان يصبح وقف هذا المسار ضرورة لا تقبل التأجيل؟
امتداد الانتهاكات الى ساحات اخرى، كما في لبنان حيث تواجه قوات حفظ السلام عراقيل وسلوكا عدوانيا، يذكر بان المشهد ليس محصورا بجغرافيا واحدة. المنطقة كلها تعيش توترا يجعل من الحدود مساحات قابلة للاشتعال، ويعيد طرح سؤال اكبر عن كلفة ادارة الصراعات من دون افق سياسي عادل. ما يجري في الضفة ليس معزولا عن هذا السياق الاقليمي، لكنه يحتفظ بخصوصيته الانسانية التي لا يجوز ان تذوب في سرديات امنية عامة.





شارك برأيك
الاقتلاع الصامت: كيف تعاد صياغة الضفة الغربية بعيدا عن العناوين