مع اقتراب شهر رمضان المبارك، تدخل القدس الشرقية مرحلة الاستعداد السنوي التي لا تنفصل عن واقعها السياسي والأمني والاقتصادي المعقّد. فبينما تتزين الأحياء بأضواء متواضعة، وتُنفَّذ حملات تنظيف في الشوارع والساحات العامة، تبدو هذه التحضيرات هذا العام محمّلة بتوتر مكتوم، يعكس حالة مدينة تحاول الحفاظ على طقوسها الدينية والاجتماعية في ظل ضغوط متراكمة.
في البلدة القديمة والمسجد الأقصى، تتكثف الاستعدادات على نحو لافت. التجار يعيدون ترتيب محالهم، وموظفو الأوقاف وفرق الصيانة يعملون في باحات المسجد تحضيرًا لاستقبال المصلين خلال الشهر الفضيل. غير أن هذه الجهود تجري وسط إدراك واضح بأن حجم الحضور سيبقى رهينة القرارات الأمنية الإسرائيلية، التي تتحكم سنويًا في شكل المشهد الرمضاني وتفاصيله.
وفي هذا السياق، أوصت شرطة الاحتلال الإسرائيلي بتقييد وصول المصلين من الضفة الغربية إلى مدينة القدس والمسجد الأقصى خلال شهر رمضان المقبل، وذلك خلال نقاش أجرته لجنة الأمن الوطني في الكنيست بشأن استعدادات الشرطة للشهر الفضيل. وتأتي هذه التوصية في إطار سياسة متواصلة تتعامل مع المواسم الدينية الفلسطينية بوصفها ملفًا أمنيًا، لا مناسبة دينية جامعة، ما يُبقي المدينة وسكانها في حالة ترقّب دائم.
إلى جانب البعد الأمني، يفرض الوضع الاقتصادي المتدهور نفسه بقوة على أجواء الاستعداد للشهر الكريم. فالضفة الغربية تعيش منذ أكثر من عام أزمة حادة في سوق العمل، بعد قرار حكومة تل أبيب منع نحو 140 ألف عامل فلسطيني من دخول إسرائيل للعمل منذ أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. هذا القرار أسهم في إحداث اضطراب اقتصادي واسع، انعكس مباشرة على مستوى المعيشة.
ووفق إحصاءات القيادة المركزية للجيش الإسرائيلي، ارتفع معدل البطالة في الضفة الغربية من نحو 13% عشية الحرب على غزة إلى 29%، في مؤشر يعكس حجم الضغوط التي تواجهها العائلات الفلسطينية. هذه الأرقام لا تبقى حبيسة التقارير، بل تظهر بوضوح في تراجع القدرة الشرائية، وفي حركة أسواق القدس التي اعتادت على نشاط رمضاني كثيف بات اليوم أكثر حذرًا.
في القدس، يتقاطع هذا الواقع الاقتصادي مع القيود المفروضة على الحركة، ما يضاعف من تأثير الأزمة. فأسواق البلدة القديمة تعتمد تقليديًا على الزوار القادمين من الضفة الغربية، سواء لأداء الصلاة أو للتسوق خلال رمضان. ومع اتساع دائرة البطالة وتراجع الدخل، يتحول الشهر الفضيل من موسم انتعاش اقتصادي إلى اختبار إضافي لقدرة السكان على الصمود.
وفي موازاة هذه الضغوط، تتحسب المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من أن تؤدي خيبة الأمل الناتجة عن غياب التسهيلات أو المساعدات الاقتصادية إلى تصاعد أعمال مقاومة، لا سيما خلال فترة عيد الفطر. وتُظهر التقديرات الأمنية أن هذه المرحلة تُعدّ حساسة سنويًا، ما يدفع الأجهزة الأمنية إلى رفع مستوى الجاهزية والاستعداد لعمليات واسعة.
وتشير التقارير إلى أن الاستعدادات تشمل مراقبة التنظيمات المسلحة المحلية، وتعقب محاولات تنفيذ عمليات فردية، إلى جانب استخدام مكثف للأدوات الرقمية لإدارة المشهد الميداني. ويبرز في هذا الإطار الاعتماد على تطبيقات إلكترونية لتنظيم حركة المرور عند معابر خط التماس، بهدف التحكم بوتيرة دخول المصلين إلى القدس والمسجد الأقصى وتقليل احتمالات الاحتكاك.
في المقابل، لم يُحسم بعد على المستوى السياسي الإسرائيلي شكل السياسة المتبعة بشأن صلاة عيد الفطر في المسجد الأقصى. ووفق تقارير أمنية، تعتزم المؤسسة الأمنية عقد اجتماع قريب مع المستوى السياسي لتقديم توصياتها في هذا الشأن، في ظل إدراك متزايد بأن أي قرار سيتخذ ستكون له انعكاسات مباشرة على الأوضاع الميدانية.
ورغم هذا المشهد المركّب، يواصل المقدسيون استعداداتهم بروح عملية هادئة. موائد الإفطار الجماعية يجري التحضير لها بإمكانات محدودة، والأسواق تتهيأ على أمل تحسن الحركة مع حلول الشهر الفضيل، فيما يصرّ الناس على الحفاظ على طقوس رمضان بوصفها جزءًا من الاستقرار النفسي والاجتماعي، ووسيلة للحفاظ على تماسك المدينة.
في المحصلة، يعكس رمضان في القدس هذا العام تداخلًا واضحًا بين الأمن والاقتصاد والهوية. فبين قيود الوصول، وارتفاع البطالة، وحسابات المؤسسة الأمنية، يبقى الاستعداد للشهر الكريم فعلًا يوميًا من أفعال الصمود الهادئ؛ صمود لا يتجاهل الواقع الصعب، لكنه يرفض أن يسمح له بإلغاء الحياة أو كسر الإيقاع اليومي لمدينة اعتادت أن تستقبل رمضان، مهما كانت الظروف.





شارك برأيك
القدس تستقبل شهر رمضان على إيقاع حذر