غزة في مرآة الاحتجاجات الإيرانية

غزة في مرآة الاحتجاجات الإيرانية

في الوقت الذي يراقب فيه العالم مشاهد الاحتجاجات الجريئة في إيران ضد القمع وتقييد الحريات، يطفو على السطح سؤال يبدو للوهلة الأولى بسيطًا، لكنه في جوهره معقّد ومحمّل بإسقاطات قاسية: لماذا لا نشهد مشهدًا احتجاجيًا مشابهًا في قطاع غزة؟ وهل يعكس هذا الغياب قبولًا بالأمر الواقع، أم أنه نتيجة طبيعية لبيئة تُغلق فيها كل منافذ الاعتراض؟
المقارنة بين الشعوب في لحظات الاحتجاج غالبًا ما تكون مغرية، لكنها ليست دائمًا منصفة. فالمجتمعات لا تنتفض في الفراغ، والاحتجاج ليس فعل شجاعة مجردة بقدر ما هو نتاج شروط سياسية واجتماعية واقتصادية، وحدّ أدنى من المساحة التي تسمح بالصوت، حتى لو كان مكلفًا.
في الحالة الغزّية، يصعب فصل أي نقاش حول الحريات الداخلية عن السياق الأوسع: احتلال مستمر، حصار خانق منذ أكثر من 17 عامًا، حروب متكررة دمّرت البنية التحتية واستنزفت المجتمع نفسيًا واقتصاديًا. في مثل هذه البيئة، يصبح البقاء نفسه فعلًا يوميًا، وتتحوّل الأولويات من المطالبة بالإصلاح السياسي إلى تأمين الغذاء، والكهرباء، والمأوى.
غياب الاحتجاج العلني في غزة لا يعني بالضرورة غياب الغضب أو الرغبة في التغيير. بل قد يكون تعبيرًا عن صمت قسري، صمت يُستخدم كآلية دفاع وبقاء. فالاحتجاج، كي يتحوّل إلى فعل جماعي، يحتاج إلى شعور – ولو نسبي – بالأمان، وإلى اعتقاد بأن الصوت، مهما قُمِع، سيُسمَع. في غزة، غالبًا ما يتبدّد هذا الاعتقاد قبل أن يتشكّل.
ثمّة فارق جوهري آخر يغيب عن كثير من المقارنات: الإيراني الذي يحتج، مهما كانت كلفة الاحتجاج، لا يعيش تحت احتلال مباشر، ولا في مساحة جغرافية مغلقة من البر والبحر والجو. أما الغزّي، فهو محاصر من الخارج، ومقيّد من الداخل، ومراقَب في كل تفاصيل حياته. هذا التداخل بين الاحتلال والسلطة المحلية يخلق واقعًا مركّبًا، يذوب فيه الصراع على الحقوق المدنية داخل صراع أوسع من أجل البقاء.
كما أن الاحتجاج لا يُختزل دائمًا في التظاهر في الشوارع. في غزة، اتخذ الرفض أشكالًا أكثر صمتًا وأقل صدامية: انسحاب من السياسة، هجرة جماعية أو حلم دائم بها، سخرية سوداء على وسائل التواصل، اقتصاد ظلّ، أو حتى لا مبالاة ظاهرية تخفي شعورًا عميقًا بالعجز. هذه كلها، وإن لم تُرفَع على اللافتات، أشكال من التعبير عن الاختناق.
من السهل مطالبة الشعوب المنهكة بالبطولة الدائمة، لكن الأصعب هو الاعتراف بإرهاقها. بعد سنوات من القصف، وفقدان الأحبة، وانعدام الأفق، يصبح السؤال الحقيقي ليس: لماذا لا يحتجّون؟ بل: كيف لا يزالون قادرين على الاستمرار؟
أما المجتمع الدولي، فغالبًا ما يقع في فخ المقارنات الجاهزة، مطالبًا غزة باستنساخ تجارب احتجاجية من سياقات أخرى، من دون توفير الشروط الأساسية لذلك. دعم سكان القطاع لا يبدأ بالدعوة إلى التصعيد أو المواجهة، بل بخلق مساحات آمنة للتعبير، ودعم المجتمع المدني، وحماية الحقوق الأساسية، ورفع القيود التي تخنق أي حراك قبل أن يولد.
الاحتجاج، في جوهره، ليس غاية بحد ذاته، بل وسيلة للدفاع عن الكرامة الإنسانية. وغزة لا تفتقر إلى الشجاعة، بقدر ما تفتقر إلى المساحة. وبين الشجاعة والمساحة، يقف شعب كامل عالقًا بين صمت مفروض وصوت مؤجّل، ينتظر لحظة يكون فيها الكلام أقل كلفة من السكوت.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا، وربما يجب أن يبقى كذلك: هل غياب الاحتجاج في غزة دليل قبول، أم شهادة على واقع لا يسمح حتى بالاعتراض؟ الإجابة، على الأرجح، ليست أحادية، لكنها بالتأكيد أعقد من اختزالها في ثنائية الصمت أو الخوف.

سياسة
611 مشاهدة
0 تعليق
صفاء أبو شمسية

بقلم

صفاء أبو شمسية

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

غزة في مرآة الاحتجاجات الإيرانية