أقلام وأراء

الأربعاء 26 أكتوبر 2022 1:35 مساءً - بتوقيت القدس

استحداثات العقيدة الأمنية الإسرائيلية


بقلم الأسير: محمد حمامي

تشهد الأراضي الفلسطينية اليوم حالة من السخط والغضب يتصدرها الشباب الفلسطيني الذي أصبح يفقد الأمل في المستقبل وبغدٍ أفضل وحياة مستقرة آمنة، في ظل غطرسة وعنف الاحتلال وأذرعه الأمنية العسكرية المتصاعدة مع عربدة المستوطنين في القدس والضفة الغربية على وجه الخصوص وليس بعيداً عن حصار غزة، ولسان الحال يقول: مادام الاحتلال مستمراً ومادام الاستيطان يبتلع الأرض والمستقبل وآفاق الحل العادل، فلن يبقى أمامنا كشباب سوى التفكير في الخلاص من الاحتلال وبكل وسيلة ممكنة أو مستحيلة دون النظر إلى ميزان القوى، فقوة الحق هي ميزان قوة الشباب وبه تسقط كل المعادلات الأمنية ويختفي ميزان الربح والخسارة.

تعمل إسرائيل اليوم وفقاً لعقيدتها الأمنية التي تأسس على أساسها كل أجهزة أمنها وجيشها ومؤسسات دولتها ولا يهمها في ذلك إلا ترسيخ الاحتلال والحفاظ عليه. ولذلك يبتدع لنا جيش الاحتلال كل يوم عملية عسكرية وبأسماء ما أنزل الله بها من سلطان، فجز العشب وكاسر الأمواج عمليتان مستحدثتان منذ فترة في الضفة وتهدفان إلى إضعاف وبتر أي حالة نضالية قد تتشكل ضد الاحتلال والتي تعتمد على العمليات المحدودة والخاطفة لعدد من كتائبها التي احترفت القتل والاغتيال وهي منذ بداية انطلاقة عمليتاها هاتان قتلت من الأبرياء بحجة الأمن أكثر من مئة فلسطيني. كانت آخر هذه العمليات في 1 أكتوبر 2022م في مدينة نابلس حيث قامت قوة من الوحدات الخاصة من جيش الاحتلال بمحاصرة أحد المطلوبين واعتقاله ثم انسحبت مخلفة الدمار كعادتها، وقبل ذلك بأيام اقتحمت مدينة جنين ومخيمها وأسفر ذلك عن أربعة شهداء وعشرات الإصابات وبعدها انسحبت لتترك خلفها رائحة الحزن والدمار منتشرة في الأجواء.

إن سياسة إسرائيل المتبعة في الضفة ما هي إلا بطاقة الضمانة لاستمرارية وجودها والتي تعتمد بشكل رئيسي على الأمن والعقيدة الأمينة والذي يُحدَّدْ الخطر فيها بحسب درجة تهديد الوجود الإسرائيلي، وبحسب القدرات والإمكانيات والقوة العسكرية للخصم، ولذلك اتجهت البوصلة الأمنية الإسرائيلية نحو الخطر المتمثل بالملف النووي الإيراني ومحورها الإقليمي بعد الربيع العربي عام 2011م وتغير الأوضاع بشكل جذري وبرز أخطار أخرى ممثلة في تنظيمات الإسلام الراديكالي تطفو على السطح تارة وتخبو أخرى، وانهيار بعض الجيوش والأنظمة في المنطقة، والتي شكلت فيما مضى خطراً أمنياً حقيقياً، ليصبح ملف ايران النووي وأطماعها الإقليمية الخطر المشترك العربي الإسرائيلي. ولذلك سعت إسرائيل إلى "تتبيع" علاقاتها مع دول عربية (معتدلة) مستعملة هذه المخاوف والظروف الإقليمية وفي محاولة منها لتسلم دور الشرطي في المنطقة في ظل غياب ملحوظ للإدارة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، ونجحت إسرائيل في استقطاب بعض دول الخليج كالإمارات العربية، والبحرين علناً وقطر وعُمان بشكل غير علني ومن باب التغزل بالدولة الوازنة اقتصادياً وعلى مستوى عربي إسلامي وهي المملكة العربية السعودية بدأ الحديث يجري على لسان "يائير لابيد" مسير أعمال الحكومة الإسرائيلية عن حل الدولتين وحلول أخرى مقترحة كمطار "ريمون" للاستخدام الفلسطيني وتسهيلات في الضفة وقطاع غزة وغيرها من الطروحات التي لم تغادر المكاتب وكل ذلك لإقامة علاقات وتحالف (أمني وعسكري) مع السعودية والذي إذا ما تم سيؤدي لتجرؤ المزيد من الدول العربية والإسلامية على إعلان التتبيع.

وضمن هذا الاطار عمدت إسرائيل لسحب الذرائع من حزب الله عقب تهديده لإسرائيل اذا ما تم استخراج الغاز من الحدود المائية المتنازع عليها قبل ترسيم الحدود، وأجلت استخراج الغاز مرة تلو الأخرى إلى أن وصلت إلى اتفاق إسرائيلي لبناني، وهي بذلك تعمل على إعطاء مسكنات للجبهتين الشمالية والجنوبية، وجز العشب وكاسر الأمواج في الضفة الغربية حتى اللحظة.

إن إسرائيل حكومة وجيشاً لا ترى أية مشكلة أو ضرر بما يفعله المستوطنين في الضفة الغربية والقدس الشرقية وذلك لتوافق الرؤى والمصالح والأهداف بين الحكومة والمستوطنين الذين هم طليعة الدولة ورأس حربتها ومنفذون لأهداف الصهيونية، ولو رغبت الحكومة كبح جماحهم وهمجيتهم لما استعصى عليها ذلك، ولكن هناك انسجام وتحقيق لسياسات ورغبات الحكومة والتي من ضمنها الضغط المستمر على الفلسطينيين لإجبارهم على الهجرة الطوعية. وتزداد احتمالية استغلال إسرائيل للظرف الإقليمي والعالمي الراهن ولظرف مساعد ربما تُوجده هي كتوجيه ضربة عسكرية لإيران أو نشوب حرب عالمية ثالثة ودلائلها ومؤشراتها عديدة كالحرب الروسية الأوكرانية والتوتر المتصاعد بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، لتعمد إلى استعادة إحياء الخطة (د) والبدء بالتطهير العرقي ففي الضفة الغربية، تماماً كما حدث في العامين 1947م-1948م، وهي بذلك بلب العقيدة الأمنية الإسرائيلية مستعيدة أحد أهم وسائلها وهو التطير العرقي ومستحدثة غيرها.

تعاملت إسرائيل مع هذه الأخطار المستجدة بتطوير ركائزها وعقيدتها الأمنية وقد أضيف بعد حرب لبنان 2006م ركيزة الدفاع إلى جانب الركائز السابقة للعقيدة الأمنية الردع والإنذار والحسم، وأضيف إليها بعد الربيع العربي 2011م إلى جانب التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة التحالف مع دول الإقليم، والسايبر، والفضاء والجو والبحر والأرض والتحت أرضي "الانفاق"، ونجحت في تجاوز خطر تنظيمات الإسلام الراديكالي على مستوى الجبهة السورية شمال إسرائيل وفي جنوب إسرائيل المقابل لسيناء وفي ايران نجحت باستهداف العلماء واستهداف المنشئات النووية وتجنيد العملاء لجمع المعلومات، فيما نجحت بتتبيع بعض دول الخليج لصالح أهدافها وربما تستغلها لضرب ايران عسكرياً باستخدام مطاراتها، وقطعت خطوط الإمداد العسكري الإيراني لحزب الله في سوريا وضربت الأنفاق على الحدود اللبنانية الإسرائيلية.

اعتمدت إسرائيل على استخلاص العبر، وتفادي الأخطاء عقب كل مواجهة وبناءً على ذلك أنفقت مليارات الدولارات على أنظمة الدفاع وتطورها وتطوير أنظمة لكشف الأنفاق وتدميرها في كل من لبنان وقطاع غزة بالإضافة الى استحداث منظومة "القبة الحديدية" و"السهم" كمضادات لصواريخ أرض-أرض وغيرها من هذا القبيل وأيضاً لتدريب القوات البرية ونقل الجيش من كونه جيش الشعب إلى جيش صغير محترف ومتخصص وقد نجحت إلى حد كبير في كل ما سلف عدا القوة البرية، فقد فشل الجيش البري في العملية العسكرية "الجرف الصامد" عام 2014م ضد قطاع غزة وبعد ثمان سنوات من الإعداد والتدريب والتخطيط الذي تلقاه الجيش والتي أعقبت حرب لبنان الثانية عام 2006م مع فارق واضح في العدد والعدة والقوة والإمكانيات بين حزب الله وفصائل المقاومة في غزة والتفوق لصالح الحزب.

ختاماً إسرائيل تتفاعل مع كل التغيرات والتطورات في الإقليم والعالم وعلى أساس أنها أخطار أمنية على دولتها وهو ما يدفعها دوماً للقيام بتطوير أدواتها ووسائلها لمواجهة هذه المتغيرات وللقيام باستحداثات على العقيدة الأمنية الإسرائيلية وأحدها استحداثات ركيزة تتبيع الدول لصالح أمنها. ويؤكد ذلك قيام إسرائيل بتوسيع رقعة تتبيع علاقاتها مع الدول العربية والإسلامية خارج الإقليم شرقاً وغرباً وبغية حصر الصراع في الاطار الفلسطيني وليس العربي الإسلامي، وبالتالي استفراد إسرائيل بالشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية وهو ما تؤكده كل الإجراءات والعمليات العسكرية اليوم ضد الشعب الفلسطيني ومقاومة أبنائه، ونحو مزيد من زرع لبذور انتفاضة قادمة للشعب الفلسطيني وهو الزرع الذي آن أوان حصاده انتفاضة فلسطينية ثالثة مستحدثة لا يعلم كنهها إلا رجالها، الحرية لفلسطين.

 

دلالات

شارك برأيك على استحداثات العقيدة الأمنية الإسرائيلية

شارك دون الحاجة الى التسجيل.

يرجى التعليق باللغة العربية.

فريق عمل القدس دوت كوم

مشاركات القراء

إشترك الآن النشرة البريدية آخر الأخبار من القدس دوت كوم
By signing up, you agree to our Privacy Policy
طقس القدس

السّبت

8- 18

الأحد

8- 17

الإثنين

7- 14
أسعار العملات
  • دولار أمريكي / شيكل شراء 3.42 بيع 3.44
  • دينار أردني / شيكل شراء 4.82 بيع 4.84
  • يورو / شيكل شراء 3.71 بيع 3.73

الإثنين 30 يناير 2023 7:54 صباحًا

الأكثر قراءة

الأكثر تعليقاً